ثانيًا: أنها ليست هي المعاني اللغوية فزاد عليها الشرع قيودًا وشرائط كما قال الجويني وغيرُهُ، والصواب أنه نُقِلَ اللفظ يعني كان يُستعمل في شيء ثم نُقِلَ إلى شيء آخر، حينئذٍ باعتبار الحقيقة والمجاز هو باعتبار استعماله في المعنى اللغوي حقيقة، استعمال الصلاة في الدعاء في اللغة يُسمى ماذا؟ يسمى حقيقة، في اللغة نَقْلُ اللفظ من الدعاء إلى الصلاة المعهودة يكون مجازًا، أما في الشرع، حينئذٍ إطلاق لفظ الصلاة على الصلاة المعهودة حقيقة، واستعماله في الدعاء يكون مجازًا على العكس لأن الأصل في الحقيقة والمجاز باعتبار اصطلاح المخاطِب، فإذا كان المخاطِب هو اللغوي حينئذٍ صارت الحقيقة والمجاز باعتباره هو، وإن كان المخاطِب هو الشرع حينئذٍ صارت الحقيقة والمجاز باعتباره هو وكذلك العرف، ولذلك تنقسم إلى أقسام باعتبار الحقيقة والمجاز لغوية وشرعية وعرفية، وهذه يعتني بها كذلك الأصوليون في مباحث المجاز وهي مهمة.
إذًا الكتاب في الأصل جنس ثم غلب على القرآن من بين الكتب فصار له حقيقة شرعية، ( {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} ) يعني لا تُغَيَّر ولا تُبَدَّل كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] . في هذه الآية كغيرها دليل على أن الكتاب هو القرآن ويذكره كثير من أهل العلم في هذا الموضع ردًّا على من زعم ولو كان شذوذًا أن ثَمَّ فرقًا بين الكتاب والقرآن، والحق الذي يكاد أن يكون إجماع هو بعينه القرآن هو الكتاب والكتاب هو القرآن، فإذا أطلق في موضع الكتاب لا نقول: دخلت فيه التوراة والإنجيل. إنما نقول ماذا؟ هذا خاصٌ بالقرآن، فإن الله سبحانه سَمَّى نفس مجموع اللفظ والمعنى قرآنًا وكتابًا وكلامًا، سماه قرآنًا، قرآنًا هذا مصدر قَرَأَ، وقلنا: قرأ بمعنى تلا، وفيه معنى الإتباع، وكتابًا ًلأنه مكتوب فِعَال بمعنى مفعول، وسُمِّي كلامًا لما ذكرناه بالأمس كما تقدم في قوله: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ} ... الآية، فبين أن الذي سمعوه هو القرآن وهو الكتاب كذلك، وقال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر: 1] . حينئذٍ العطف هنا إذا قيل الكتاب {آيَاتُ الْكِتَابِ} ، الكتاب هو القرآن، قال: {وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} . العطف هنا يكون عطف تفسير، لماذا؟ لأننا عرفنا أن الأصل في استعمال الكتاب ماذا؟ أنه جنس، حينئذٍ نحتاج إلى قرينة لأن الشارع أطلق الكتاب وأراد به القرآن، وهذا لا إشكال فيه لا نقول هنا: عطف المترادفين كقوله: كذبًا ومينًا من كل وجه ليس فيه مزية على الآخر، لا، هذا لا يرد في القرآن، بل هو ممتنع كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وإنما العطف هنا يسمى عطف تفسير، بمعنى أن {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} هذا قد يرد عليه الاحتمال لكن لما قال: ... {وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} . عرفنا أن المراد بـ {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} المراد به القرآن والآية السابقة تدل على ذلك.
وفي الآية المتقدمة دليل على أن القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه كلامه، وفيها الحث على تلاوته وأنه سبحانه ضمن حفظه من التغيير والتبديل.