الصفحة 633 من 883

وفي الآية دليلٌ على عظمة هذا الكتاب وهيمنته على الكتب السابقة لأنه إذا وقع خلاف في الكتب السابقة فبيانه في القرآن وتوضيحيه لما وقع فيها من إشتباهٍ وإضافة القصص والتوضيح إليه وتضمن وجوب الرجوع إليه وتباعه. إذا كان القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هو فيه مختلفون هذه آية تضمن الأمر، الأمر بماذا؟ بوجوب الرجوع إلى القرآن وتحكيم القرآن. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 155] ) . ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية كذلك ما بعدها التي فيها إثبات أن القرآن مُنَزَّلٌ من الله تعالى، وإذا كان منزل حينئذٍ التنزيل يأتي على ثلاثة أنواع كما سيأتي، حينئذٍ نقول: كونه منزلًا من عُلْوٍ إلى سفلٍ يدل على إثبات صفة العلو، ويدل على أنه كلام الباري جل وعلا، ( {وَهَذَا كِتَابٌ} ) أي القرآن، وعرفنا أنه هو القرآن ( {وَهَذَا كِتَابٌ} ) فِعَالٌ بمعنى معفول أي مكتوب سُمِّي بذلك، من حيث المعنى الشرعي سُمِّي بذلك لأنه مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، ومكتوبٌ في الصحف التي بأيدي السفرة، ومكتوبٌ في المصاحف التي تأتي بأيدينا صار كتابًا الكتاب المعهود لكن من حيث المعنى اللغوي نقول: لأن مادة الْكَتْبِ تدل على الضم والجمع، فضم الحرف إلى الحرف أدى إلى كلمة، وضم الكلمة إلى كلمة أدى إلى الكلام، لذلك سمي كلامًا، ومنه الكتاب كذلك سُمِّيَتْ كتاب لأن فيه معنى الضم والجمع، يضم حرفًا إلى حرفٍ. أما من حيث المعنى الشرعي فسمي الكتاب كتابًا لأنه مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، قد يراد به وهذا محل توقف قد يراد به أنه مكتوبٌ على جهة التفصيل، القرآن كله مسرودٌ سردًا في اللوح المحفوظ، وقد يراد به ماذا؟ أنه مذكورٌ بالاسم فقط على جهة الإجمال، وهو محتمل ويحتاج إلى نص، وجبريل عليه السلام لم يأخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكن هذا إخبارٌ من الباري جل وعلا لأنه ما من شيءٍ يفعله هو جل وعلا أو خلقه إلا وهو في اللوح المحفوظ، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون جبرائيل عليه السلام قد أخذه من اللوح المحفوظ، بل سمعه مباشرةً من الباري جل وعلا ونزل به إلى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأما قول الأشاعرة في كون جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، ثم نزل به إلى محمد هذا أردوا به التوصل أنه ليس بكلام الباري جل وعلا، وإنما قرأه جبريل في اللوح المحفوظ ثم نزل به على محمد وهذا باطل، وإفادة أن القرآن مكتوبٌ في اللوح المحفوظ لا يلزم منه نفي أنه كلام الباري جل وعلا، لأننا قررنا بالأمس ماذا؟ أنه لو كتب في المصاحف التي بين أيدينا لا يخرج عن كونه كلام الله، كذلك لو كُتب في اللوح المحفوظ لا يخرج عن كونه كلام الباري جل وعلا، فليس في الاستدلال بأثر ابن عباس - إن صح في هذا الموضع - على نفي صفة الكلام عن الله عز وجل.

( {مُبَارَكٌ} ) أي كثير المنافع والخير، والشاهد في قوله: ( {أَنزَلْنَاهُ} ) وثبوت نزوله من الله دليلٌ على أنه كلامه جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت