الصفحة 634 من 883

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقوله: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21] ) . ( {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا} ) ولم ينزله على جبلٍ وإنما أنزله على قلوب البشر على قلب محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ليبلغه إلى الأمة، فقوله: ( {لَوْ أَنزَلْنَا} ) . لا يدل على عدم إنزال القرآن، أليس كذلك؟ إنما الذي عُلِّقَ على لفظ هنا هو إنزال على شيءٍ معين وهو الجبال، وهذا مُنْتَفٍ لم يكن، وهذا لا يمنع أن يكون القرآن منزل بدليل الآية السابقة. قوله: ( {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ} ) عرفنا القرآن المراد به ( {عَلَى جَبَلٍ} ) والجبل معروف ( {لَّرَأَيْتَهُ} ) يعني رأيت هذا الجبل بسبب ما نزل عليه من القرآن ( {خَاشِعًا} ) اسم فاعل الخشوع، وهو التذلل والخضوع يعني يكون الجبل متذللًا، ويكون الجبل خاشعًا لله عز وجل، ( {مُّتَصَدِّعًا} ) أي متشققًا، التصدع هو التشقق فإذا كان القرآن هذا المراد بالآية بمعنى أن القرآن نزل على قلوبٍ في الأصل أنها قلوبٌ يعني تلين بذكر الله تعالى، فإذا لم يكون ذلك فبَيَّنَ الله عز وجل أن القرآن لعظمته وما تضمنه من المعاني لو نزل على الجبل الجماد لرأيته خاشعًا فالقلوب التي الأصل فيها اللين والرقة من بابٍ أولى وأحرى. فإذا كان القرآن لو أنزل على جبلٍ لَخَشَعَ وتصدع من خوف الله تعالى فكيف يليق بكم أيها الناس أن لا تلين قلوبكم وتخشع من خوف الله تعالى؟! هذا الذي أراده بهذه الآية وليس المراد نفي التنزيل بل هو ثابتٌ بالآيات الأخرى. وقد فهمتم عن الله أمره ونهيه وتدبرتم في كتابه.

وفي الآية دليلٌ على عظمة القرآن وأنه لو نزل أو أُنْزِلَ على جبلٍ لخشع وتصدع من خشية الله.

وفيها دليلٌ على أنه سبحانه خلق في الجمادات إِدْرَاكًا بحيث تخشع وتُسَبِّحُ كما مر معنا أنه حقيقة كل ما أسنده جاء الخبر في الكتاب والسنة عن الجمادات التي في ظننا أنها لا روح لها فحينئذٍ نقول: هذه قد يجعل الله تعالى لها إدراكات بمعنى أنها قد تعقل، وإذا أضيف العقل إليها فحينئذٍ يكون بحسبها، وما دام أن الباري جل وعلا أخبرنا بشيءٍ مَا، وَجَبَ التسليم به، وأما الكيفية فهذه لا نعلمها، مر معنا بالأمس أن نفي الكيفية ليس متعلقًا بصفات الباري جل وعلا بل كل مغيبٍ عنا لا ندركه حينئذٍ نقول: الكيفية هذه غير معلومة، وهذا حقيقةٌ كما دلت على ذلك الأدلة ولا يعلم كيفية ذلك إلا هو سبحانه.

وفيها حثٌّ على الخوف من الله والخشوع عند سماع كلامه، وأنه ينبغي أن يُقرأ بتدبرٍ وخشوعٍ وإقبال قلبٍ، وأنه ينبغي الرقة عند سماع كلام الله والبكاء وتلاوة بِحَزَنٍ كما كان عادة السلف رحمهم الله تعالى.

إذًا هذه الآية فيها إثبات الإنزال، ولكنها نفي من جهةٍ وأثبت من جهةٍ أخرى، نفي إنزاله على الجبل، ولكنه أنزل على قلب بشرٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت