ثم قال رحمه الله تعالى بعد ما سرد ما أمكنه سرده من الآيات الدالة على إثبات بعض أسماء الباري جل وعلا وصفاته جل وعلا ولَمْ يقصد الاستقصاء لكل ما ورد لأن القرآن كله من أوله إلى آخره ما من آية إلا وهي متضمنة لاسم أو صفة، وأراد الأمثلة ليبين أن ما وجب الإيمان به مما يتعلق بالباري جل وعلا ما ذكره فيما ذكره من آياتٍ، ولذلك ختم ذلك أو سرده للآيات بقوله: (وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَثِيرٌ) . أيُّ بابٍ؟ باب معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يستحقه سبحانه من إفراده بالعبادة وترك عبادة ما سواه. (فِي كِتَابِ اللَّهِ كَثِيرٌ) هذا الباب كثير في كتاب الله، (وَهَذَا) مبتدأ، و (الْبَابُ) هذا عطف بيان، و (كَثِيرٌ) هذا خبره، و (فِي كِتَابِ اللَّهِ) هذا متعلق بقوله: (كَثِيرٌ) . فقد أفصح القرآن عنه كل الإفصاح، التوحيد بأنواعه الثلاثة هو الغاية الكبرى في إنزال القرآن، وفي بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -، بل ما خُلِقَ الجن والإنس إلا من أجل ذلك لَزِمَ من ذلك - وهو الواقع - أن يكون الحديث عن التوحيد بأنواعه الثلاث بأفصح ما يكون من ألفاظ، وأبعد ما يكون من شيء مجمل أو يحتاج إلى تفصيل ولا يحتاج إلى تفصيل، لذلك قلنا: قرأ الصحابة هذه الآيات وسمعوها من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد الاستفسار إلا في شيء يسير وآمنوا بظاهره، (فِي كِتَابِ اللَّهِ كَثِيرٌ) قد أفصح القرآن عنه كل الإفصاح، وأغلب سور القرآن متضمنةٌ لذلك، بل كل سورة من القرآن متضمنةٌ لذلك كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى وأورده الشارح هنا:
فإن القرآن:
-إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وهو التوحيد العلمي الخبري، يعني ما يتضمن أن النوعين: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
-وإما دعوة إلى عبادته لا شريك له، وهذا هو المقصد الأعظم، والأول دليل عليه، وخلع ما يعبد من دونه، وهو التوحيد الطلبي الذي يتعلق بالعمل يُسمى العملي.