الصفحة 653 من 883

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وهذا مناسب لجعله جزاءً لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يُعبد المؤمن ربه على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى عيانًا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبر به عن جزاء الكفار أنهم عن ربهم محجوبون، وذلك جزاء لحالهم في الدنيا وهو تراكم الران على قلوبهم حتى حُجِبَتْ عن معرفته في الدنيا فكان جزاؤهم على ذلك أن حُجِبُوا عن رؤيته في الآخرة. هذه فلسفة معنوية من ابن رجب رحمه الله تعالى. يعني المؤمن لما كان محسنًا في الدنيا مستحضرًا أن ربه يراه كان جزاؤه من جنس العمل وهو أن يرى ربه جل وعلا، وأما الكافر لَمَّا ران على قلبه وغفل ولم يستحضر ربه جل وعلا حينئذٍ يُحْجَبُ في الآخرة.

(وقوله: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] ) .

( {يَشَاءُونَ} ) ، ( {لَهُم} ) يعني للمؤمنين، ( {مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا} )

يعني في الجنة، وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قال الله سبحانه وتعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» . ثم قرأ {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] . رواه البخاري. قوله: ( {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} ) . وهو النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى كما قال ذلك علي بن أبي طالب وأنس وغيرهم.

أفادت هذه الآيات إثبات الرؤية، وتكون بالعين، وفيها إثبات للعلو، وأنها خاصةٌ بيوم القيامة، وأما الدنيا فلا يرونه جل وعلا، وأن رؤية الله سبحانه وتعالى من أجل نعيم الجنة وأعظمه بل هو أجله وأعظمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت