قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ تعالى: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين: 24] ) .
( {عَلَى الْأَرَائِكِ} ) أرائك جمع أريكة وهي السرر تحت الحجال ... ( {يَنظُرُونَ} ) أي ينظرون إلى وجه الله، وهذا مقابل لما وُصِفَ به أولئك الفجار في سورة المطففين في قوله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] . حينئذٍ متقابلان، حَجَبَ الكفار عن رؤيته جل وعلا، ثم قال: ( {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} ) . لا نقول: ينتظرون. لأن المقام والسياق يدل على ماذا؟ على أن المراد بالنظر هنا بالعين البصر، يعني ينظرون إلى وجه الباري جل وعلا، فذكر عن هؤلاء أنهم يُبَاحُونَ النَّظَرَ إلى الله تعالى، وهم على سُرُرِهم وفرشهم وعن أولئك الفجار أنهم يُحْجَبُون عن رؤيته.
قد استدل العلماء كالشافعي وغيره رحمه الله تعالى من أهل السنة بهذه الآية أي قوله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} . على إثبات رؤية الله، لأنه لو استوى المؤمنون والكفار في عدم الرؤية لِمَ خَصَّ الكفار؟ لم خصهم؟ ليس لهم مزية صار حشوًا، إذًا هذه الآية من أصلها لا مكان لها، لماذا؟ لأن المؤمنين كذلك لا يرون ربهم، لكن لما خص الكفار أنهم محجبون عن رؤية الباري جل وعلا دل على أن المؤمنين يُبَاحون النظر إلى وجهه جل وعلا، فلما حجب أعداءه عن رؤيته دل على أن أولياءه يرونه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] ) .
وهذه الآية فَسَّرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ( {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} ) يعني في أعمالهم، ومَرّ معنا الإحسان على التفصيل، ( {الْحُسْنَى} ) أي الجنة، ( {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} ) ، ( {الْحُسْنَى} ) إيش إعرابها؟ مبتدأ ( {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} ) خبر مقدم، ( {وَزِيَادَةٌ} ) هذا عطف على المبتدأ الذي هو ( {الْحُسْنَى} ) ، فالحسنى تُفسر بالجنة، ( {وَزِيَادَةٌ} ) هي النظر إلى وجه الله تعالى كما فَسَّرَها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة كذلك، ولَمَّا عطف الزيادة على الحسنى دل على أنها جزاء آخر وراء الجنة، وقدر زائد عليها، هو بعض منها لأنه من النعيم، والحسنى فيها هي دار النعيم، ومن النعيم بل أجل النعيم هو النظر إلى وجه الباري جل وعلا، حينئذٍ يكون عطف هنا فيه شيء أو شيء من التفصيل لِمَا يقع في الحسنى من النعيم.
وثبت في صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، وهذا واضح بَيِّن، وحينئذٍ كفانا النبي - صلى الله عليه وسلم - في تفسير هذه الآية، فلا اجتهاد، ولو لم يرد إلا هذه الآية في إثبات الرؤية لكفى كفانا ذلك مع وجود ماذا؟ التفسير من النبي - صلى الله عليه وسلم - والحديث في صحيح مسلم.