لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أدلة الكتاب أتبعها بأدلة السنة. جريًا على عادة السلف الصالح رحمهم الله تعالى وأتباعهم فإنهم كانوا يذكرون الآيات في الباب، ثم يتبعونه بالأحاديث الموافقة لها كما فعل الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ومن قبله ومن بعده في الكتب المصنفة في السنة، يحتجون على أحاديث النزول والرؤية والتكلم والوجه واليدين والإتيان ونحو ذلك بما في القرآن، يعني ما جاء في القرآن، وأما النزول لم يرد في القرآن، حينئذٍ يذكر ما دل على إثبات الصفة العلو من القرآن، ثم يتبعه بما دل على إثبات العلو من السنة ليدل على أن كل منهما جاء بما جاء به الآخر، فما جاء به القرآن جاءت به السنة، وما جاءت به السنة جاء به القرآن وكلاهما وحيٌ كلاهما حقٌ وكلاهما لا يتناقضان، فدل على أن هذا تأكيدٌ على أن ذلك الأمر حقٌ في نفسه، ويثبتون بذلك اتفاق دلالة القرآن والسنة عليها كما ذكرنا، وأنهما من مشكاةٍ واحدة ولا ينكر ذلك من له أدنى معرفةٍ وإيمان فإن السنة كالكتاب في إفادة العلم واليقين، وفي وجوب القبول واعتقاد ما تضمنته، ويجب قبول ما جاءت به السنة، نعم الكتاب دل على حجية السنة ولا إشكال، لكن لا يلزم من ذلك ألا تكون السنة مصدرًا من مصادر التشريع كما مر معنا.
قوله: ثم في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السنة في اللغة الطريقة والسيرة حميدة كانت أو ذميمة، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - ( «لتركبن سَنَنَ [سُنَنَ] من كان قبلكم» ) يعني طريقتهم والسنة تأتي بمعنى الطريق والطريقة، وعرفًا هي أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته هذا ما يعتني به أهل الأصول، يعني الذين يرتكزون على السنة من حيث كونها تفيد الأحكام الشرعية سواء كانت في باب المعتقد أو كانت في باب الفروع، يعني في العلميات وفي العمليات، ولذلك مرَّ معنا أن أصول الفقه هو قواعد الشريعة، بمعنى أن تلك القواعد ليست خاصة بالأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين، إنما هي عامة بالشريعة ما يتعلق بالقلب من حيث الاعتقاد، وما يتعلق بالظاهر من حيث العمل، وحينئذٍ نقول: الأولى أن يسمى أصول الفقه بأصول الشريعة أو قواعد التشريع، ولا يختص بالفقه، وإنما الذين تكلموا فيه قرنوه بالفقه وصار أصول الفقه وإلا هو ليس أصولًا للفقه فحسب، وإنما هو أصول للتفسير وأصول للاعتقاد لأنه يأتي أن الشرك محرم، وأن هذا واجب، والتوكل ما حكمه .. كله أعمال قلبية، والذي يعتني في القلبيات هو من هو الذي يتكلم عن التوحيد ومتعلقات التوحيد. إذًا أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته، ومن أقواله عليه الصلاة والسلام ما يتعلق بالمغيبات، وهو الذي يعتني به أهل الاعتقاد في هذا الموضع، فحينئذٍ السنة على هذا التعريف تشمل الواجب والمستحب، وهو كذلك من أعمال القلوب ما هو واجب ومن أعمال القلوب ما هو مستحب ليست على درجةٍ واحدة، ولذلك نقول: التوحيد له أصلٌ، ما لم يوجد لا يوجد التوحيد، فانتفائه انتفاءٌ للإسلام، ومنه كذلك كمالٌ ثم الكمال على مرتبتين:
كمالٌ واجب، وكمالٌ مستحب.