قال رحمه الله تعالى: وتعبر عنه. أي تبين وتعرب، ويقال هو عبارة عن كذا بمعناه ومساوي له في الدلالة، والسنة حينئذٍ نقول: تأتي بأحكام مستأنفة جديدة ليست في الكتاب، ليست في القرآن ولها حكم القرآن، لأن الذي دل على حجية السنة هو القرآن، قال الله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80] . وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] . فظهر مما تقدم أن السنة تفسر القرآن وتبين مجمله وتقيد مطلقه إلى غير ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه، هذه تسمى السنة المؤكدة، فيكون توارد الكتاب والسنة على الحكم من باب توارد الأدلة وتضافرها يعني اجتماع الأدلة، ولا شك أن الحكم إذا دل عليه دليلان ليس كما لو ثبت بدليل واحد، نحن نسلم، إذا ثبت بدليل واحد وجب القبول وجب الإيمان، لكن لو جاء في موضعين ازداد اليقين وازداد الإيجاب، لو جاء في ثلاثة مواضع .. وهكذا، حينئذٍ ما دُلّ عليه بالكتاب وجاءت السنة بالدلالة عليه كذلك حينئذٍ نقول: تواردت الأدلة. لكن هذا لا يلزم منه أن نُصَوِّبَ ما يذكره الفقهاء فيقولون: هذا الحكم ثابت بالكتاب والسنة والقياس. أحيانًا يكون قياس، كيف يكون قياس وهو ثابت بالكتاب والسنة؟ القياس لا يكون إلا عند ماذا؟ عند الجهل بالحكم، أليس كذلك؟ فلم يأتِ حكمه في الكتاب والسنة، ولذلك من شرط صحة القياس أن يكون الفرع مجهول الحكم، فإذا دل عليه بالكتاب والسنة كيف صح القياس؟ لا يصح. لكن هذا من باب الافتراض - انتبه لذلك - فـ المتون الفقهية والشروحات يأتي عند كثير من المسائل يقولون: ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. نقول: القياس هنا لا وجه له، القياس باطل أصلًا، وإنما يذكرونه إذا أورد عليهم قالوا: من باب تضافر الأدلة. نقول: تضافر الأدلة قد يكون على وجه صحيح، وقد لا يكون على وجه صحيح، وذُكْرُ القياس هنا ليس على وجه صحيح.
إذًا أن تكون السنة موافقةً للقرآن من كل وجه، حينئذٍ يكون من توارد الأدلة.
الثاني: أن تكون بيانًا لِمَا أريد بالقرآن تفسيرًا له، وهي السنة المبينة لِمَا أوجب لها من القرآن.
الثالث: أن تكون موجبةً لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو تحريم ما سكت القرآن عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه الأقسام.
يعني السنة الاستقلالية المؤسسة جاءت بحكم لم يَرِدْ في الكتاب والسنة، ومن ذلك الصفات، الصفات جاءت أحاديث تُثبت صفة الكلام نقول: هذا من باب التوارد، كذلك جاءت أحاديث تُثبت صفة العلو نقول: هذا من باب التوارد، جاءت أحاديث تُثبت صفة الضحك لله عز وجل، نقول: هذه استقلالية، إذًا كما يكون في الأحكام يكون كذلك في ماذا؟ في باب المعتقد.
قال رحمه الله تعالى: (وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ - عز وجل - مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ وَجَبَ الإِيمَانُ بِهَا كَذَلِكَ) .