نقول: دعا، دعا بماذا؟ دعا بهذا القول، ففيه خبر عنه من هذه الحيثية ( «فَأَسْتَجِيبَ لَهُ» ) الفاء هذه واقعة في جواب ماذا؟ في جواب الطلب ( «فَأَسْتَجِيبَ» ) هذا فعل مضارع منصوب بأن مضمرةً وجوبًا واقعة بعد فاء السببية، ( «فَأَسْتَجِيبَ» ) بالنصب على جواب الاستفهام، وقيل بالرفع على الاستئناف، وكذلك ما بعده مما سيأتي، والأرجح النصب هنا لأنه متعلق بما سبق، ( «فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ» ) يعني من يقول: أسألك الجنة. أو نحو ذلك ( «فَأُعْطِيَهُ» ) كذلك النصب هنا بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء، ( «مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» ) يعني يقول: اللهم اغفر لي. أو يستغفر ربه فقال: ( «فَأَغْفِرَ لَهُ» ) . والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه.
أفاد هذا الحديث فوائد:
فيه إثبات نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة لا نستثني لأن اللفظ عام ويحتاج إلى مخصص ولا مخصص، وهذا النزول نثبته كما يليق بجلاله وعظمته جل وعلا، فنثبت النزول لله حقيقة، وأما كيفية النزول كيف ينزل نقول: الله أعلم. وأما كُنْه نزوله وكيفيته فلا يعلمها إلا هو سبحانه، كما قال مالك في الاستواء: الاستواء معلوم والكيف مجهول. كذلك يقال: النزول معلوم في لسان العرب لكن الكيف مجهول، وكذلك الإتيان والمجيء وغير ذلك من صفاته الفعلية والذاتية.
وأهل السنة هنا كما ذكرنا سابقًا هل نقول: ينزل بذاته أو لا؟ على التفصيل السابق الذي ذكرناه، ومن زادها أراد به ماذا؟ التصريح بما دل عليه اللفظ ضمنًا لا التزامًا، وإنما من جهة الدلالة التضمنية التي سبق بيانها، ومن نفاه وبنى على أنه لم يرد في السنة ذلك حينئذٍ نقول: جرى على الأصل، وإنما يُذكر كما ذكرنا لا في مقام التقرير وإنما يذكر في مقام المناظرة والرد على أهل البدع، وكذلك الشأن في الاستواء.
كذلك في الحديث إثبات العلو لله عز وجل، لأن النزول يكون من أعلى إلى سُفْلٍ، فإن النزول والتنزيل والإنزال هو مجيء الشيء والإتيان به من علو إلى أسفل، هذا هو المفهوم من لغة العرب، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] .
وفيه: إثبات أفعال الله الاختيارية، لأن النزول هذا فعل لم يكن ثم كان، وإذا كان كذلك تعلق بمشيئته، وكل ما تعلق بالمشيئة أو رتب على سبب فهو صفة فعلية، يعني لم تكن ثم كانت، ويعبر عنها أهل السنة والجماعة بالأفعال الاختيارية.
وفيه: إثبات القول لله عز وجل، لأنه قال: ( «فَيَقُولُ» ) . يعني يتكلم جل وعلا.
وفيه: إثبات أن كلامه سبحانه بحرف وصوت لأن القول يستلزم ذلك بل يتضمنه، إذ لا يعقل نداء ( «مَنْ يَدْعُونِي» ) ، ( «مَنْ يَسْأَلُنِي» ) إذ لا يعقل النداء إلا ما كان حرفًا وصوتًا.
وفيه: إثبات أن صفة الكلام صفة فعلية، ( «فَيَقُولُ» ) رتبه بالفاء إذًا لم يقل ثم قال، كما أنها من الصفات الذاتية أيضًا.
وفيه: أن صفة النزول من الصفات الفعلية، لأنه مقيد بسبب، ودليله النقل المحض، بمعنى أن النزول كالاستواء ذكرنا أن بعض الصفات هي من حيث الثبوت سمعية عقلية، وبعضها سمعية محضة العقل لا يدل عليها، ومن ذلك صفة النزول فلولا ورود النص لما دل العقل على ذلك.