هذا الحديث رواه البخاري ومسلم كما قال المصنف: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وغيرهما من حديث أبي هريرة، وهذا مما تواترت فيه الأدلة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرواه نحو من ثمانية وعشرين نفسًا من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذًا هو حديث متواتر، وإذا كان كذلك فهو قطعي الثبوت. ثم قوله: ( «يَنْزِلُ رَبُّنَا» ) . فيه إثبات النزول وهو فعل مضارع كما مر إلى فاعله، ففاعل النزول هو الرب جل وعلا، وحينئذٍ يُحمل على حقيقته وهو الأصل، وأجمع على ذلك السلف، فإذا كان كذلك حينئذٍ صار قطعيَّ الثبوت قطعيَّ الدلالة، قطعي الثبوت بذاته لتعدد رواته، قطعيّ الدلالة لخارجٍ وهو الإجماع لأن ( «يَنْزِلُ رَبُّنَا» ) بذاته ليس قطعيّ الثبوت، وإنما النظر يكون بماذا؟ بالنظر إلى إجماع السلف بأن النزول المراد به هنا المسند إلى الباري جل وعلا نزولًا حقيقيًّا فينزل سبحانه نزولًا حقيقيًّا يليق بجلاله وعظمته، لا نعطله ولا نشبهه بنزول خلقه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ} [الشورى: 11] كما سبق في القاعدة المطردة، فيجب الإيمان بذلك إيمانًا خاليًا من التعطيل والتمثيل، قوله: ( «إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» ) . إذًا عرفنا أن الشاهد هنا أولًا قوله: ( «يَنْزِلُ رَبُّنَا» ) . ففيه إسناد الفعل إلى الرب جل وعلا وهو الفاعل، حينئذٍ يكون متصفًا بما دل عليه الفعل وهو صفة النزول، ثم نقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بمعنى أنه لا يُشْبُهُ ولا يُماثل نزول المخلوقين، ( «إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» ) والمراد بها أقرب السماوات إلى الأرض ( «كُلَّ لَيْلَةٍ» ) هذا فيه عموم، يعني يشمل جميع الليالي سواء كان في رمضان أو في غيره، ... ( «حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ» ) والليل يبتدأ من غروب الشمس اتفاقًا، باتفاق أنه يبدأ من غروب الشمس، لكن حصل الخلاف في ماذا؟ في انتهائه، هل ينتهي بطلوع الفجر أو بطلوع الشمس؟ قولان، وحينئذٍ نقول: الليل الشرعي ينتهي بطلوع الفجر، الليل الشرعي الذي أُبيح فيه الأكل والشرب للصائم لمن أراد الصيام في النهار حينئذٍ نقول: الليل الشرعي ينتهي بطلوع الفجر. أما الليل الفلكي يعني باعتبار اصطلاح الفلكين فهذا ينتهي بطلوع الشمس، ( «فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي» ) ، ( «فَيَقُولُ» ) هذا فيه إسناد الفعل إلى الباري جل وعلا فدل على إثبات صفة القول وصفة الكلام، حينئذٍ نأخذ منه هاتين الصفتين ( «مَنْ يَدْعُونِي» ) ، ( «مَنْ» ) استفهام وفائدته التشويق كقوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: 10] . هذا فيه تشويق، يعني تتشوق النفس إلى ذلك المذكور، ( «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ» ) و ( «يَدْعُونِي» ) أي يقول ماذا؟ يقول: يا رب. هذا المراد، ففيه إخبار عن القول وحينئذٍ إذا قال: يا رب، اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني.