قوله: ( «وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ» ) الدابة في اللغة تُطلق على كل ما دبَّ على وجه الأرض يعني سواء كان برجلين أو أربع أو يزحف زحفًا، كل ما دبّ على وجه الأرض فهو دابة، وأما في العرف فهي خاصة بذوات الأربع، وما يدبّ على الأرض فيه شرور، يعني بعضه فيه مصالح، وبعضه فيه شرور، وبعضه قد يكون فيه شرور محض، وهذا هل هو موجود أو لا؟ مر معنا ذكره فيما سبق. ( «أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا» ) أي تحت قهره وسلطان سبحانه، أي أعوذ بك من شر كل شيءٍ من المخلوقات، واستعاذ من شر كل شيءٍ يعني فيه شر من المخلوقات لأنها كلها في سلطانه، وهو آخذ بنواصيها متصرفٌ فيها يصرفها كيف يشاء، والناصية كما هو معلوم مقدم الرأس.
( «أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ» ) فيه إثبات اسمين من أسماء الباري جل وعلا، وهما: الأول، والآخر. وفسرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فالأول معناه ليس قبله شيء، والآخر معناه ليس بعده شيء، وهذا تفسير من النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا تفسير أكمل من تفسيره عليه الصلاة والسلام.
وفيه دليل على أوليته سبحانه وأنه قبل كل شيء.
وفيه دليل على أبديته سبحانه وبقائه بعد كل شيء.
قوله: ( «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» ) . كذلك فيه إثبات اسمين للباري جل وعلا الظاهر والباطن، وكذلك التفسير من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففيه دليل على علوه سبحانه على خلقه وفوقيته واستوائه على عرشه. فإن الظاهر هو العالي المرتفع والظاهر والعالي بمعنى واحد.
وفيه دليل على قربه سبحانه وإحاطته وأنه أقرب إلى كل شيء من نفسه، لأنه قال ماذا؟
( «وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» ) يعني ليس أقرب إلى المرء منك،، ففيه دليل على قربه سبحانه وإحاطته وأنه أقرب إلى كل شيء من نفسه، وقربه سبحانه لا يُنافي ما ذكر من عُلُوه وفوقيته فإنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وليس قربه كقرب الأجسام بعضها من بعض تعالى الله أن يُشْبِهَهُ شيءٌ من خلقه - كل ذلك مر معنا فيما سبق -.
فهذه الأسماء الأربعة متقابلة اسمان منها لأزلية الرب وأبديته، وهو الأول والآخر، واسمان لعلوه وقربه وهما: الظاهر، والباطن.