قوله: ( «رَبَّ» ) تأتي لفظة رب بمعنى الْمُرَبِّي والمالك والخالق، ( «رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ» ) أي هو خالق العالم العلوي ( «وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» ) أي الكبير كما جاء في الحديث «ما السماوات السبع والأراضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلق ملقاة في أرضٍ فلاة» يعني صحراء خالية وأن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة، يعني ما أصغرها. وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنما سُمِّيَ عرشًا لارتفاعه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: العرش لا يقدر قدره إلا الله. وهو خلقٌ من مخلوقات الله تعالى على هذه العظمة. ففيه إثبات عظمة العرش، وأنه أعظم المخلوقات، وأنه مخلوقٌ لله عز وجل.
ومنه يستفاد عظمة الباري بعظمة مخلوقاته، وهو كذلك.
وفيه الرد على من زعم أن العرش ليس بمخلوق، أو أن العرش ملكه، وقد نسب لابن عباس، وهو ضعيف أو أن العرش قدرته، وقد تقدم الكلام على هذا.
قوله: ( «رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ» ) . هذا تعميمٌ بعد تخصيص ( «رَبَّنَا» ) أي المتكلم، ( «وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ» ) هذا عام فهو تعميم بعد تخصيص.
وفيه إثبات عموم ربوبيته وملكه، وأنه خالق كل شيء، وأنه المنعم الحقيقي على سائر الخلق، وربوبيته العامة وقدرته التامة تشمل أفعال خلقه، وهو كذلك، فمن زعم أن العبد يخلق فعل نفسه فقد أثبت خالقًا مع الله - كما سيأتي بحثه في القدر - ولم يدخل أفعال خلقه في عموم قدرته وربوبيته ( «فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى» ) ، ( «فَالِقَ» ) أي شاقّ ( «فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى» ) أي شاق، والفلق هو الشقّ أي الذي يشق حب الطعام ونوى التمر ونحوهما للإنبات، والنوى عجم التمر ونحوه. قيل: الْحَبّ حب الزروع والنوى نوى الغرس، فالأشجار التي تخرج إما زروعٌ أصلها الحب، وإما أشجارٌ أصلها النوى، فما للأشجار يُسمى نوى وما للزرع يسمى حَبًّا، ولما ذكر الآيات الكونية العظيمة، ذكر الآيات الشرعية فقال: (مُنَزِّلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ) نصّ على هذه الكتب الثلاث لأنها أعظم كتبٍٍ أنزلها الله جل علا، وبدأها على الترتيب الزمني أي منزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه دليلٌ على أن هذه الكتب من كلام الله لأنه (مُنَزِّلَ) والإنزال يدل على ماذا؟ على أنه من عُلْوٍ إلى سُفْلٍ وأنها منزلةٌ من عند الله تعالى، وإذا كانت من كلام الله تعالى فهي غير مخلوقة.
وفيه دليلٌ على عُلُوِّ الله سبحانه لأن الإنزال والنزول والتنزيل المعقول عند العرب لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل.
(أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي) ، (أَعُوذُ) أي ألتجئ وأعتصم وألتصق بجناب الله (مِنْ شَرِّ نَفْسِي) أي النفس الأمارة بالسوء، والعياذ يكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير كما قال الشاعر:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ ... وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسَرُهُ ... وَلا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ