الصفحة 721 من 883

كان الصحابة رضي الله عنهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا علو نشزًا كبروا، وإذا نزلوا واديًا سبحوا. هذا الحديث ليس في بعض النسخ، أليس كذلك؟ ليس في بعض النسخ بل هو ثابت في الأصل، وإذا نزلوا واديًا سبحوا لأن الإنسان إذا ارتفع قد يتعاظم في نفسه ويرى أنه مرتفع عظيم فناسب أن يقول: الله أكبر. إذا ارتفع على نشز يكبر تذكيرًا لنفسه بكبرياء الله عز وجل، وأما إذا نزل فهو سفول ونزول فيقول: سبحان الله. يُنَزِّهُ الباري جل وعلا تذكيرًا لنفسه بتَنَزُّهِ الله عن السفل، فكان الصحابة رضي الله عنهم يرفعون أصواتهم بالذكر جدًّا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: ( «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» ) . الهمزة همزة وصل، يعني هَوِّنوا عليها خففوا، ( «فَإِنَّكُمْ» ) هذا تعليل بعد الأمر (إن، والفاء) بعد الأمر تفيد التعليل، يعني لماذا هَوِّنوا وخففوا على أنفسكم لا تشقوا عليها؟ ( «فَإِنَّكُمْ» ) لأنكم ( «لا تَدْعُونَ أَصَمَّ» ) لا يسمع، ... ( «وَلا غَائِبًا» ) لا يرى، ( «إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا» ) يسمع ذكركم ... ( «بَصِيرًا» ) يرى أفعالكم، وهذه يعتبر وهذا النص يُعتبر شرحًا للقاعدة التي مرت معنا، ( «إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ) وعنق الراحلة للراكب قريب جدًّا، فالله تعالى أقرب من هذا للإنسان، ومع هذا فهو فوق سماواته على عرشه، فإثبات القرب لا ينافي العلو والعكس بالعكس، فلا منافاة بين القرب والعلو لأن الشيء قد يكون بعيدًا قريبًا، وهذا بالنسبة للمخلوق فكيف بالخالق فهو من باب أولى وأحرى، فالرَّب عز وجل قريب مع علوه أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته.

هذا الحديث فيه فوائد:

أولًا: فيه من الصفات السلبية نفي كونه أصم أو غائبًا، أليس كذلك؟ هذا من الصفات السلبية نفي كونه أصمَّ أو غائبًا لكمال سمعه وكمال بصره وعلمه وقربه.

وفيه أيضًا أنه ينبغي للمرء المسلم أن لا يشقّ عن نفسه في العبادة لأن الإنسان إذا شقّ عن نفسه تعبت النفس وملت، ولذلك قال: ( «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» ) . وربما يتأثر البدن، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا» . حتى إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر من نَعَسَ في صلاته أن ينام ويدع الصلاة فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه» . ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى يقول القائل: لا يُفطر. ويفطر حتى يقول القائل: لا يصوم. كذلك في القيام والنوم.

وفيه أيضًا أن الله تعالى قريب، فقد دل عليه قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] .

وفيه جواز تشبيه الغائب الحاضر للإيضاح حيث قال: ( «إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ) . شبه الغائب للحاضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت