وفيه أيضًا أنه ينبغي أن يراعي الإنسان في المعاني ما كان أقرب على الفهم لأن هؤلاء مسافرون وكل منهم على راحلته، وإذا ضُرب المثل بما هو قريب فلا أحسن من هذا المثل الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام، إذًا في هذا الحديث إفادة القرب، وأن الله تعالى قريب من العبد وإن كان مستويًا على عرشه، فلا منافاة بين الصفتين، وسيعقد رحمه الله تعالى فصلًا خاصًّا بذلك فيما يأتي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
هذا الحديث السادس عشر، وفيه إثبات رؤية المؤمنين ربهم جل وعلا يوم القيامة. وقال المصنف: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . يعني رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة وقال - يعني الذي نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا من التشبيه - قال: «إنكم سترون ربكم» . السين هنا للاستقبال، يعني لن تروا ربكم في الدنيا، وإنما يكون بماذا؟ في المستقبل ( «إِنَّكُمْ» ) هذا خبر مؤكد، وهذه الأحاديث التي مرت معنا أنها متواترة فهي قطعية الثبوت، وكذلك باعتبار الآيات قطعية الدلالة، ولذلك لا ينكر الرؤية إلا كافر ... «إنكم سترون ربكم عِيانًا» أي معاينةً «عِيانًا» بالكسر، وإن كان كثيرهم ينطقونها بفتح العين عَيانًا، والصواب أنها عِيانًا حينئذٍ من المعاينة وهي المرأى بدون واسطة، «إنكم سترون ربكم عِيانًا كما ترون هذا» يعني القمر «لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس» وهي صلاة الفجر «وقبل الغروب» وهي صلاة العصر «فافعلوا» ثم قرأ: « {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} » [ق: 39] ، وفي بعض ألفاظه «ستعاينون ربكم كما تعاينون القمر» . وفي (( الصحيحين ) )عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ إذًا أيقنوا بأنهم لن يروا ربهم في الدنيا، ولذلك سألوا هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «هل تضارون في القمر ليلة البدر» ؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: ... «هل تضارون في الشمس ليس دونها حجاب» ؟ قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «إنكم ترونه كذلك» . أي مثل رؤيتكم القمر والشمس، إلى غير ذلك من الأحاديث التي بلغت حد التواتر.