الصفحة 732 من 883

ثم رحمه الله تعالى انتقل إلى مبحث مهم أراد أن ينتقل من تقعيد ما سبق إلى بيان شيء في منزلة أهل السنة والجماعة وكذلك الفرقة الناجية بين سائر الفرق، كأنه أراد أن ينقل الطالب إلى كونه يعرف بعض الفرق التي يأتي ذكرها من الجهمية والمعتزلة والحرورية والقدرية وغير هؤلاء العلم بما عليه المخالف من هذه البدع هذا مما يؤكد زيادة البيان فيما يتعلق بمنهج السلف، لأنه لا يمكن إدراكه على وجه التمام إلا إذا عُرِفَ ما عليه المخالف، فلما سرد لنا الآيات والأحاديث، وعرفنا المراد منهما على ما يتعلق بالأصل العام وهو التسليم وإثبات اللفظ مع المعنى مع اجتناب المحاذير أراد أن ينتقل إلى مبحث سماه أهل العلم في هذا الباب أو في هذه كتب المعتقد بـ مبحث الوسطية، وهو الوسط بين الشيئين وأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق الضالة كلها فقال رحمه الله تعالى: (بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الأُمَّةِ) . يعني [لو قال] هو يتحدث عن الفرقة الناجية، قال: فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، بخلاف ما عليه أهل البدع فإنهم خالفوا ذلك، إما حرفوا، وإما مَثَّلُوا، وإما شبهوا، وإما عطلوا .. إلى آخره، ما منزلة أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية بين هذه الفرق المخالفة؟ قال: (هُمُ الْوَسَطُ) . بمعنى أنهم تابعوا الحق فكانوا وسطًا في ذلك، وليس المراد بالوسطية وسطية العقل، يعني الذي يختاره العقل بين منازل الناس، إنما المراد أن هذه الوسطية إنما جاءت إليهم من جهة كونهم سَلَّمُوا للوحي، فلما سلموا للوحي حينئذٍ الوحي حق لا يناقض بعضه بعضًا، ولذلك تجد أهل البدع دائمًا يختلفون ويفترقون ما من فرقة تكون إلا وبعد وقت من الزمن إلا ويختلفون، وكل مختلف منهم ينشئ له فرقة وَيُبَدِّعُ بعضهم بعضًا ويُكَفِّر بعضهم بعضًا، لأنهم إما غلوا وإما أفرطوا، إما إفراط وإما تفريط، أهل السنة والجماعة لكونهم تابعوا الكتاب والسنة على ما أراده الله عز وجل - وهذا قيدٌ مهم - متابعة الكتاب والسنة على ما أراده الله وليست متابعة الكتاب والسنة على ما أراده العبد أو الناظر، هذا فرق بين النوعين، إذ قد يتبع الشخص لكن لا يجعل فهم السلف قيدًا هنا في فهم الكتاب والسنة ومن هنا نشأ الضلال ونشأة الْفُرْقَة بين المسلمين. إذًا قوله: (بَلْ هُمُ) . أراد بالضمير هنا الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة (الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الأُمَّةِ) يُسمى هذا المبحث كما ذكرنا في باب العقيدة مبحث الوسطية، ومبحث الوسطية تارةً يكون بين الأديان - وليس المراد هنا - بمعنى أهل الإسلام وسَطٌ بين اليهودية والنصرانية كما سيأتي ذكره، وتارةً يكون بين أهل السنة وفِرق الأمة، يعني المنتسبة إلى الأمة أصله مسلم ثم بعد ذلك ينتحل بدعةً قد تكفره قد تفسقه، لكن المراد هنا الوسطية في فِرق الأمة يعني الْفِرق انتسبت إلى الإسلام، فالأصل فيهم أنهم مسلمون ثم قد يعتقدون بدعًا تخرجهم من الدين وقد لا تخرجهم من الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت