قوله: وسط أو (الْوَسَطُ) . يأتي لفظ الوسط بمعنى التوسط بين الشيئين ويأتي بمعنى العدل الخيار، فأهل السنة وسط، أي عدول خيار معتدلون بين الطرفين المنحرفين في جميع أمورهم، وفي حديث «خير الأمور أوساطها» ، قال في (( المفردات ) ): وسط الشيء ما له طرفان متساويا القدر. وسط، لأنه يقال وَسَط ووَسْط، متى نقول: وَسَط، ومتى نقول: وَسْط؟ فرق بين اللفظين، وَسَط الشيء يعني بفتح السين ما له طرفان متساويا القدر، ويقال ذلك يعني يُطلق في ماذا؟ في الكمية المتصلة كالجسم الواحد إذا قلت: وسَطَهُ صلبٌ، وضربته وسَط رأسه بفتح السين، يعني شيء لا يتجزأ إنما هو متصل، حينئذٍ تقول: وَسَطه. بفتح السين، وَوَسْطٌ بالسكون يقال في الكمية المنفصلة كشيءٌ يفصل بين جسمين نحو وَسْطَ الْقَوْمِ، لأن القوم زيد وعمرو وخالد، هذه ليست كتلة واحدة حينئذٍ تقول: جَلَسْتُ وَسْطَ الْقَوْمِ. ولا يقال: جَلَسْتُ وَسَطَ الْقَوْمِ. لماذا؟ لأن القوم هنا ليس بينهم اتصال، يعني ليس هو شيئًا واحدًا، وإنما يتجزأ بمعنى أنه ينفصل بعضه عن بعض، إذًا إذا كان الاستعمال في الشيء المتصل قلنا وَسَط، وإذا كان الاستعمال في شيء ينفصل بعضه عن بعض يقال وَسْطٌ فرق بين النوعين، إذًا وسْطٌ بالسكون يقال في الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين نحو وَسْطُ الْقَوْمِ كذا، والوسَط تارة يقال فيما له طرفان مذمومان، يعني عرفنا أن الوسَط بفتح السين يقال بين طرفين، قد يكون كل من الطرفين مذموم، وقد يكون أحدهما مذموم والآخر غير مذموم، لكن أراد شيخ الإسلام هنا ماذا؟ الوسط بين طرفين مذمومين، لأن الوسط هنا الحق، والحق إذا كان بين شيئين كان ذلك الشيئان ليسا من الحق، وكل ما ليس من الحق فهو مذموم، إذًا الوسَط تارةً يقال فيما له طرفان مذمومان، يقال هذا أوسْطهم حسبًا إذا كان في واسطة قومه، وأرفعه محلًا وكالجود الذي هو بين البخل والسرف، والبخل مذموم والسرف مذموم، الجود وسط بين ماذا؟ بين البخل والسرف، إذًا له طرفان، وكلا الطرفين هنا مذموم، ويستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط فيمدح به وهو المراد هنا، يعني أراد شيخ الإسلام بقوله: (الْوَسَطُ) . أو أراد أهل العلم بهذا التعبير أن الوسط هنا ما كان في شيء الأصل فيه أنه متصل، وهذا هو الأصل أهل الإسلام الأصل أنهم متصلون لأن الدين واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، ... {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] هذا لا يستقيم لا بد من الإيمان به كله، ثم أهل الحق وسط بين طرفين، كل من الطرفين يكون مذمومًا لأنه ماذا؟ إما إفراط وإما تفريط، وكلا الأمرين مذموم، إذًا استعمل الوسط هنا على بابه، وقد مدح الله تعالى أهل التوسط بين الطرفين المنحرفين - هكذا بين الطرفين المنحرفين - ونهى الله عن الإفراط والتفريط والغلو والتقصير في غير موضعٍ من كتابه، قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29] .