الصفحة 734 من 883

فنهى عن أمرين وأمر بوسط بينهما، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] . يعني وسطًا بين الأمرين، فالإسراف هذا مذموم والإقتار كذلك مذموم كما عرفنا في الجود، وقال بعض السلف: دين الله تعالى بين المغالي فيه والمجافي عنه. بين الغال فيه والجاف، حينئذٍ إما أن يجفوا وإما أن يغلوا، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» . أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان وصححه الحاكم، «إياكم» هذه صيغة تحذير، وعند الأصوليين تعتبر من صيغ التحريم إياك، إياك أن تفعل كذا، حينئذٍ إذا جاء هذا اللفظ حملناه على ماذا؟ على التحريم فما حكم الغلو؟ نقول: محرم لهذا الدليل، وجاء النهي نصًّا {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} هذا نهي، والنهي يقتضي ماذا؟ يقتضي التحريم، إذًا الغلو محرمٌ، وما المراد بالغلو؟ مجاوزة الحد، ولذلك قال: الغلو هو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد. ما هو الحد؟ الحد الذي شرعه الله عز وجل، حينئذٍ يكون القياس في معرفة الإفراط والتفريط ليس هو العقل، وإنما هو الشرع فكلما تمسك المرء بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما فهمه السلف الصالح، أعني الصحابة ومن سار على هديهم فحينئذٍ يكون وسطًا، فليست الوسطية قدر زائد على الإتباع، بل الوسطية هي عين الإتباع، كما نقول: السلفية. السلفية ما هي السلفية ليست حزبًا من الأحزاب، وإنما السلفية ما هي؟ نسبةً إلى السلف، ما المراد به؟ إتباع الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة ليس عندنا واسطة أخرى، ليس عندنا رأس نتبعه في ذلك وإنما السلفية الحقة الشرعية وليست السلفية الحزبية المراد بها إتباع الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، فليس عندنا شيء زايد على قدر الإتباع أو قدر زائد على الإتباع، بل السلفية هي عين الإتباع، والوسطية هي عين الإتباع، والاقتداء والتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو عين الإتباع، إذًا ليس عندنا شيء زائد، فليس هو كالطول الذي يكون في زيد ونحوه لا، نقول: السلفية هي إتباع الكتاب والسنة، فكل من اتبع الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة فهو سلفيٌّ، إذًا الوسطية كذلك، حينئذٍ السلفي هو الوسطي بمعنى أنه كلما كَمُلَ إتباعه للكتاب والسنة على فهم سلف الأمة فهو الوسط، إن أفرط أو فرط فحينئذٍ الحصة بالحصة على قدر خروجه عن المنهج يناله من الوصف ما يناله، إما بكفر أو تكفير وإما ببدعة وإما بتفسيق وإما وَإما .. إلى آخرهم حينئذٍ نقول: الخروج عن المنهج هذا يعتبر قدحًا، والكمال هو الإتباع، إذًا المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد، تجاوز الحد أيُّ حدٍّ هذا؟ نقول: الحد الذي شرعه الله تعالى لعباده فلا إفراط ولا تفريط، ويعرف الحد بالميزان، وما هو الميزان؟ الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة لا بد من هذا القيد وهو فهم سلف الأمة. قال الشاعر:

ولا تغلوا في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت