يعني يُذَمّ، فالإفراط مذموم شرعًا، والتفريط مذموم شرعًا، وكل منهما تجاوز للحدّ - فانتبه لهذا اللفظ -.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «هلك المتنطعون» . ثلاثًا، يعني قالها النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا «هلك المتنطعون» إما دعاء خبر بمعنى الدعاء، وإما أنه خبر، فكل متنطع فهو هالك لا بد وأن يقطع به ماذا؟ الطريق، لأن المتنطع شأنه أنه [إما مفرط وإما] إما تفريط وإما إفراط، إما هذا وإما ذاك.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن كيد عدو الله إبليس أن يشمَّ قلب العبد فإن رأى عنده قوة إقدام وعلو همةٍ قَلَّلَ عنده المأمور. يعني جعله قليلًا عنده، أي أنه لم يفعل شيء فيفعل ويصلي ويقوم الليل ويصوم كما صام النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن عنده قوة إرادة دفع وهمة حينئذٍ يجعله كأنه لم يفعل شيئًا، يصلي من الليل يقول: ما صليت، أريد الزيادة. صمت ما صامه النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا، لم تصم شيئًا. حينئذٍ قَلَّلَ عنده المأمور. يعني جعله قليلًا، مع كونه لو وقف مع الشرع لَمَا قَلَّلَ، وإنما أُوتِيَ من جهة جهله، وأَوْهَمَهُ أنه لا يكفي وأنه يحتاج معه إلى مبالغةٍ. وإن رأى الغالب عنده الانكفاف والإحجام ثَبَّطَهُ عن المأمور وثَقَّلَهُ عليه حتى يتركه أو بعضه، كما قال بعضهم: ما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى إفراطٍ وتقصير، وإما إلى مجاوزةً وغلو، فإن رآه مُقْدِمًا على المأمور قَلَّلَ المأمور عنده فَزِد فيزداد فيخالف الشرع، وإما أنه كسولٌ بمعنى أن العبادة والمأمور تكون ثقيلةً عليه فَيُثَبِّطَهُ فلا يفعل، هذا يكون ماذا؟ يكون تقصيرًا. إما هذا وذاك، انظر شأنك. قال: وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى إفراطٍ وتقصير. وإما إلى مجاوزةٍ وغلوٍ ولا يبالي بأيهما ظفر، لأن كلٍّ منهما مذموم مخالفٌ للشرع، فهذا أو ذاك كلٌ منهما يعتبر خَللًا في المرء. قال: قد اقتطع أكثر الناس إلا القليل في هذين الواديين. يعني أكثر الناس إما غلوٌ مجاوزةٌ وغلو، وإما إفراطٌ وتقصير. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
(كَمَا أَنَّ الْأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ) ، (بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ) يعني أهل السنة والجماعة أراد أن يشبه شيئًا بشيء فالمسلمون وسطٌ بين الأمم بين اليهود والنصارى وغيرهم، كذلك أهل السنة والجماعة وسطٌ بين الفرق المخالفة (كَمَا) أي مثل ما أنها وسطٌ في فرق الأمة كذلك الأمة يعني أمة الإسلام هي الوسط في الأمم فعندنا وسطيتان:
-وسطيةٌ بين أهل الأديان.
-وعندنا وسطية أخص من ذلك.
بين الأديان هذه عامة فتشمل كل مسلمٍ ولو كان واقعًا في بدعةٍ.
وأما الوسطية الخاصة فهذه أخص من تلك، فتكون بين سائر الفرق.