الصفحة 736 من 883

قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] ... {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أراد به هنا ماذا؟ وسطًا بين الأمم، وليس المراد به الوسطية الخاصة، {وَسَطًا} أي عَدْلًا خِيَارًا كما عليه كثيرٌ من المفسرين لتوسطها بين الطرفين المذمومين، فلم يغلو أهل الإسلام غلو النصارى، ولم يقصروا كتقصير اليهود، ولكنهم أهل وسطٍ واعتدال، فهم معتدلون في أبوابٍ كثيرة مَثَّلَ الشارح ببعضها:

أولًا: في باب توحيد الله. أهل الإسلام وسطٌ بين اليهود والنصارى إذ كان اليهود يصفون الله تعالى بالنقائص ويشبهونه بالمخلوق، يعني شبهوا الخالق بالمخلوق فوقعوا في نوعٍ من نوعي التشبيه، ومر معنا التشبيه نوعان:

-تشبيه الخالق بالمخلوق.

النوع الثاني: تشبيه المخلوق بالخالق.

واقتسم اليهود والنصارى هذين التشبيهين:

-فاليهود شبهوا الخالق بالمخلوق.

-والنصارى عكسوا الأمر شبهوا المخلوق بالخالق.

[وهذا] وهذان طرفان المسلمون وسطٌ جعلوا الله تعالى بأوصافه على ما يليق به جل وعلا، وجعلوا المخلوق بأوصافه على ما يليق به فلم يجعلوا للمخلوق شيئًا من خصائص الباري جل وعلا، ولم يصفوا الباري جل وعلا بشيءٍ من ما يتصف به المخلوق، فكما أنكم كلٌ من الذاتين منفصلتين كلٌ منهما له أوصافه الخاصة اللائقة به.

إذًا أهل الإسلام وسطٌ بين اليهود والنصارى. إذ كان اليهود يصفون الله بالنقائص ويشبهونه بالمخلوق كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: {إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ} [آل عمران: 181] . ونفى عن نفسه اللغوب الذي وصفوه به {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 58] . يعني تعب. والنصارى على العكس يصفون المخلوق بصفات الخالق التي اختص بها فلا يَشْرَكُهُ فيها غيره كالإلهية وغيرها، حينئذٍ من خصائص الباري جل وعلا أوصافٌ، هذه الأوصاف جعلها النصارى لبعض المخلوقين كعيسى عليه السلام جعلوه ماذا؟ جعلوه إلهًا، إذًا شَبَّهُوا المخلوق بالخالق فجعلوا في المخلوق وصفًا يختص به الباري جل وعلا. إذًا النصارى على عكس اليهود، وكلٌ منهما وقع في التشبيه لأن اليهود شَبَّهُوا الخالق بالمخلوق، والنصارى شبهوا المخلوق بالخالق. قال هنا: والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي اختص بها فلا يَشْرَكُهُ. يعني يشرك الخالق فيها في تلك الصفات مما اختص به غيره مطلقًا لا عيسى ابن مريم عليه السلام ولا غيره، وغيرها فهي صفاتٌ لا تليق إلا بالخالق جل وعلا، فلا يُشبه المخلوق بالخالق في هذه الصفات البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت