الصفحة 743 من 883

وأما المعتزلة فأثبتوا الأسماء ونفوا المعاني أثبتوا الأسماء لفظًا ونفوا المعاني يعني: الحقائق، فيقولون في أسمائه جل وعلا كونه {سَمِيعًا} [النساء: 58] سميعًا قالوا سميعٌ بلا سمعٍ، هذا معناه سميعٌ أثبتوا اللفظ، ونفوا ماذا؟ ما دل عليه اللفظ. إذًا ما الفائدة من إثبات اللفظ هل القرآن المراد به إثبات الألفاظ فحسب؟ لا، بل المراد إثبات المعاني، إذ المعاني هي الأصل هي المقصودة باللفظ، والألفاظ قوالب المعاني، إذا حرفوا المعنى فنفوه حينئذٍ ما الفائدة من إثبات اللفظ؟ فقالُوا: الله تعالى عليمٌ بل علمٍ، سميعٌ لا سمعٍ، بصيرٌ بلا بصرٍ وهذا ينافي ما عليه أهل العقل وينافي ما أجمع عليه أهل اللسان، لأنه لا يقال سميع إلا لمن اتصف بصفةٍ هي السمع، ولا يقال عليم إلا لمن اتصف بصفةٍ هي العلم، فوُجد العلم ثم اشتق منه الاسم هذا هو الأصل.

وَعِنْدَ فَقْدِ الْوَصْفِ لاَ يُشْتَقُ ... وَأَعْوَزَ الْمُعْتَزِلِيَّ الْحَقُّ

بمعنى أنه إذا لم يكن ثم علمٌ فلا يقال عليم، وإذا لم يكن ثم سمعٌ فلا يقال سميع، فيكون كذبًا كما تقول زيد نائم وليس بنائم فهو كذب، وإذا كان كذلك فكيف يخبر الباري جل وعلا عن نفسه بأنه {السَّمِيعُ البَصِيرُ} ثم يكون سميعًا بلا سمعٍ، وبصيرًا بلا بصرٍ. فهذا ينافي ما أجمع عليه أهل اللسان، وينافي دلالة العقل الضرورية. إذًا المعتزلة أثبتوا الأسماء لكنها لفظًا ونفوا المعاني، إذًا هم أهل تعطيل أم لا؟

أهل تعطيل، عطلوا المعاني التي دلت عليها تلك الأسماء، فيقولون: إنه سبحانه سميعٌ بلا سمعٍ، بصيرٌ بلا بصرٍ، عليمٌ بلا علمٍ .. إلى غير ذلك مما يقولونه، وتصور هذا المذهب كافٍ في رده وإبطاله لأنه مخالفٌ لما أجمع عليه أهل اللغة، والغريب أنهم أن منهم من هو من أهل اللغة إذا جاء في باب المشتقات يمنع [أن يُشتق من] أن يُشتق لذات الاسم لا وصف لها، فلا يقال عن زيد بأنه جالسٌ إذا كان قائمًا، يقال أو لا يقال؟ أي عاقلٍ يمنع من ذلك، هل إذا وصفتك الآن بأنك قائم وأنت جالس هل الوصف حقٌ؟ قل: لا، ليس بحقٍّ، لأن المراد به ماذا؟ الوصف بالفعل في أصله هذا المراد به، فلا يشتق للذات اسمًا كعليم مثلًا وهو وصفٌ لا يُشتق له إلا إذا اتصفت الذات بالمصدر الذي أخذنا منه ذلك الاسم، لأن عليم مشتق من ماذا؟ من العلم فلا يُقال زيدٌ عالم أو عليم إلا إذا اتصف بماذا؟ بصفة العلم، وهذا محل وفاق بين العقلاء وأهل اللغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت