قال هنا: وأما الحكم فالمعتزلة - هذه في الأسماء -، وأما الحكم فالمعتزلة وافقوا الخوارج على حكمهم في الآخرة، فعندهم أن من أتى كبيرةً فهو خالدٌ مخلدٌ في النار لا يخرج منها لا بشفاعةٍ ولا بغير شفاعة اتفقا في الآخرة في كونه خالدًا مخلدًا في النار. إذًا الخوارج سموه ماذا؟ سموه كافرًا وأوجبوا له الخلود في النار، لكن المعتزلة أو قبول له الخلود في النار ولم يسموه ماذا؟ كافرًا فوقعوا في تناقض في المسألة، أما في الدنيا فالخوارج حكموا بكفر العاصي واستحلوا دمه وماله، وأما المعتزلة فحكموا بخروجه من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر ولم يستحلوا منه ما استحلته الخوارج، فَثَمَّ نزاع بينهم في هذه المسألة.
قابلتهم المرجئة والجهمية ومن تبع هاتين الفرقتين فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة. فعل الأعمال الواجبة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ليس من الإيمان، ولا ترك المحذورات البدنية فإن الإيمان لا يقبل الزيادة ولا النقصان، بل هو شيءٌ واحدٌ يستوي فيه جميع المؤمنين من الملائكة والمقتصدين والمقربين والظالمين، كما قالوا بأنه كأسنان المشط الواحد كما أنه لا يخرج سن عن سائر الأسنان قالوا كذلك المؤمنون سواء كانوا من الأنبياء أو من غيرهم. فالمرجئة يقولون: الإيمان مجرد التصديق والجهمية عندهم الإيمان مجرد المعرفة. التصديق يستلزم المعرفة، والمعرفة أعم من التصديق وهذا يأتي مبحثه في مسألة الإيمان. قالوا هنا: والأعمال ليست من الإيمان فإيمان أفسق الناس كإيمان الأنبياء والمرسلين، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنبٌ، فالخوارج والمعتزلة غلو والمرجئة والجهمية جَفَوْ، وهدى الله أهل السنة والجمعة للقول الوسط في ذلك، وهو كما تقدم أن الإيمان والدين قولٌ وعملٌ واعتقاد وأنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن صاحب الكبيرة مؤمن بإيمانه لا يخرج عن دائرة الإيمان البتة لكنه فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان، وأما حكمه في الآخرة فهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلة، وإلا عزب بقدر ذنوبه ثم دخل الجنة فلا بد حينئذٍ من دخول الجنة كما وعد الله تعالى بذلك، هذا هو القول الحق الذي تدل عليه أدلة الكتاب والسنة، وعليه السلف الصالح والأئمة.
(( الْحَرُورِيَّةِ ) )هم الخوارج سُمُّوا بذلك (( الْحَرُورِيَّةِ ) )نسبة إلى قرية حَرَوْرَاءِ بالفتح والمد قريةٌ بالعراق قريبة من (الكوفة) ، اجتمعوا فيها حين خرجوا على عليّ رضي الله عنه فسُمِّي الخوارج (( حَرُورِيَّةِ ) ).