الصفحة 816 من 883

قال رحمه الله تعالى بعد تلك الصفات أراد أن يؤكد تلك المعاني بعبارة أفصح، وأن يُبَيّن غلط من حَرَّفَ معنى كلام الباري جل وعلا وإن أثبت اللفظ لكنه من جهة المعنى حَرَّفَ، فقال رحمه الله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً) . يعني بالقرآن (حَقِيقَةً) يعني لا مجازًا، فكل من ادَّعَى المجاز في القرآن بأنه كلام الله سُمِّيَ مجازًا فدعواه باطلة وهو كذب على الكتاب والسنة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - هو كلام الله حقيقةً، كذلك من باب التأكيد لا كلام غيره كما يدعيه المخالف، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، فلا يجوز أن يُقال بأن القرآن حكاية يعني مماثلة عن كلام الله تعالى، بل هو عينه، ولا يقال بأنه عبارة، والعبارة عبارة الأشاعرة، والحكاية عبارة الْكُلاَّبِيَّة، والمعنى متقارب ولا فرق بينهما من جهة الحقيقة. قوله: [وإن الله] ، (وَأَنَّ اللَّهَ) بفتح الهمزة ... (وَأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً) كما قال تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} [التوبة: 6] . دلَ على أنه من كلام الله تعالى، والآيات والأحاديث في إثبات كلامه سبحانه وأنه تكلم بالقرآن كثيرة جدًّا، وهي قطعية الثبوت قطعية الدلالة - انتبه لهذا الوصف لأنه يلزم منه أن من أنكر ذلك حينئذٍ يكون مكذبًا لِمَا هو ثابت ومعلوم من الدين بالضرورة - وكلها دالة على أنه سبحانه تكلم حقيقةً لا مجازًا، بل حقيقة الإرسال تبليغ كلام الْمُرْسِل، كون محمد - صلى الله عليه وسلم - رسولًا من رب العالمين دل على أن هذا الرسول جاء برسالة، لأن الرسول فَعُول مأخوذ من ماذا؟ مشتق من ماذا؟ من الرسالة، وما هي الرسالة؟ تبليغ كلام الْمُرسِل، فإذا لم يكن ثَمَّ كلام حينئذٍ يُبَلِّغُ ماذا؟ هل يُعقل وأن يوصف بكونه رسولًا ولم يكن ثَمَّ رسالة من الْمُرْسِل، هذا لا يُعقل، فدل ذلك على أن زعمهم باطل، وإذا انتفت عنه حقيقة الكلام انتفت عنه حقيقة الرسالة والنبوة، والرب جل وعلا يخلق بقوله وكلامه، فإذا انتفت عنه حقيقة الكلام انتفى عنه الخلق، ومر معنا قوله تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54] . {الْخَلْقُ} مبتدأ و {لَهُ} خبر مقدم، والأمر معطوف على الخلق، حينئذٍ قدَّم ما حقَّهُ التأخير فأفاد القصر والحصر لا خالق إلا الله، ولا آمر إلا الله، فحينئذٍ إذا قيل: بأنه لا يخلق بكلامه انتفى صفة الخلق، وإذا قيل: القرآن ليس بكلامه انتفى صفة الأمر، فليس له الخلق وليس له الأمر، وهذا مُراد الشارح، وإذا انتفت عنه حقيقة الكلام انتفت عنه حقيقة الرسالة والنبوة، والرب يخلق بقوله وكلامه، فإذا انتفت عنه حقيقة الكلام انتفى عنه الخلق، وقد عاب الله آلهة المشركين بأنها لا تتكلم ولا تُكَلِّمُ عابديها، وهو كذلك، أليس كذلك؟ عاب الباري جل وعلا، وكذلك إبراهيم عليه السلام {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} [مريم: 42] فدل على أن الذي يُعبد هو الذي يسمع وهو الذي يُبصر وهو الذي اتصف بصفات الكمال، حينئذٍ تُعاب هذه الآلهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت