الصفحة 830 من 883

قوله: (فَإِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا) وهو كذلك، إذا بلَّغه جبريل، قيل: هذا كلام الله وجبريل إنما هو مبلغ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يتلو القرآن وهو كلام الله والنبي - صلى الله عليه وسلم - مبلغٌ، حينئذٍ تلاوة المبلِّغ لا يُخرج الكلام عن أصله فيُنسب إلى من قاله ابتداءً يعني من أنشأه وألفه أولًا وأما المبلِّغ فهو كاسمه يعتبر مبلِّغًا، ولذلك قال تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} [التوبة: 6] . والذي يتلو من؟ محمد - صلى الله عليه وسلم - يتلو القرآن، قال: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} مع كونه يسمع صوت محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، لكن الصوت مخلوق والمسموع والْمَتْلُوّ غير مخلوق {حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} أي من مبلِّغه، وسماع كلام الرب وغيره ينقسم إلى قسمين: مطلقٌ، ومقيد.

فالمطلق ما كان بغير واسطةٍ كما سمع موسى بن عمران كلام الرب بدون واسطة، هذا مطلق، وكما يسمع جبريل وغيره كلامه سبحانه وتكليمه، ومنه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» . دل ذلك على ماذا؟ على أنه سيسمع كلام الباري مباشرةً يعني بدون واسطة، وأما الْمقيد فالسمع بواسطة المبلّغ كسماع الصحابة، وسماعنا لكلام الله حقيقة بواسطة المبلّغ عنه، ومنه قوله: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} [التوبة: 6] . وكما في الحديث المتقدم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا رجل يحملني حتى أبلغ كلام ربي» . فالمسموع هو كلام الله تعالى.

وكما قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما خرج على قريش فقرأ {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 1، 2] الآية قالوا: هذا كلامك أو كلام صاحبك. فقال: ليس بكلامي ولا بكلام صاحبي، وإنما هو كلام الله. فبين أن ما يبلِّغه ويتلوه هو كلام الله تعالى، وإن كان يبلِّغُه بأفعاله وصوته، حينئذٍ نقول: الأفعال منسوبة إلى العباد، والناس إذا سمعوا من يروي قصيدةً أو كلامًا، يعني حتى في المتعارف عليه، إذا سمعوا قصيدةً تلا قصيدةً.

قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِك

كلام من هذا؟

وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بِالاِبْتِدَا

دائمًا نقول: قال ابن مالك:

وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بِالاِبْتِدَا

أنا مبلِّغ أبلغكم قول ابن مالك رحمه الله تعالى، لكن الكلام كلام مَنْ؟ كلام ابن مالك، هل يُنازع عاقل في ذلك؟ لو قلت للعامة لعلهم يضحكون عليك في هذه المسألة - يقول: هذا الذي تبلّغه ليس بكلامك أنت ليس من عندك، فإنما هو كلام صاحب الأصل، ولذلك قال: والناس إذا سمعوا من يروي قصيدةً أو كلامًا أو قرآنًا قالوا: هذا كلام فلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت