الصفحة 829 من 883

قال شيخ الإسلام: (بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ) هذا كذلك زيادة إيضاح (بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ) يعني بالقراءة والكتابة (عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْكَلاَمَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لاَ إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا. وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُرُوفُهُ، ومَعَانِيهِ) . قوله: (بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ) بل هذه للإضراب، يعني بعد أن قال: (وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللهِ، أَوْ عِبَارَةٌ، بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ) يعني بالقراءة والتلاوة والكتابة (عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً) ولذلك قال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} [الواقعة: 77،78] كونه في كتابٍ يعني مكتوب مكنون محفوظ مستور لم يخرج عن كونه قرآنًا كريمًا، أليس كذلك؟ فكونه كُتِبَ لا يخرج عن أصله. قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49] . كونه في الصدور محفوظًا والصدور مخلوقة والحفظ مخلوق لا يخرج عن كونه آيات الله تعالى. وقال: {يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 2، 3] .

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُسَافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن ينال بسوء) . وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم.

يدل على ماذا؟ على أن الذي يسافر به هو القرآن، مع كونه ماذا؟ مكتوبًا في المصاحف. إذًا بالكتابة لم يخرج عن كونه كلام الله تعالى، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أن القرآن كلام الله حقًّا حيث تلاه التالون، أو حفظه الحافظون، أو كتبه الكاتبون، وهو المعجزة بلفظه ومعناه.

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: يتوجه العبد لله تعالى بالقرآن بخمسة أوجه - يعني يتوجه يعني يتقرب - وهو فيها غير مخلوقٍ:

حفظٌ بقلبٍ، وتلاوةٌ بلسانٍ. حفظٌ بقلبٍ وهو تعبد، وتلاوةٌ بلسانٍ وهو تعبد، وسمعٌ بأذن وهو تعبد، ونظرةٌ ببصرٍ - وفيه خلاف هل هو عبادة أو لا؟ - وخطٌ بيدٍ وهو تعبدٌ كذلك، فالقلب مخلوق، والمحفوظ غير مخلوق، حفظ بقلبه إذًا قلبه مخلوق والمحفوظ غير مخلوق، والتلاوة مخلوقةٌ، والْمَتْلُوّ غير مخلوق، والسمع مخلوق، والمسموع غير مخلوق، والنظر مخلوقٌ، والمنظور إليه غير مخلوق، والكتابة مخلوقة، والمكتوب غير مخلوق. إذًا هذه خمسة أشياء هي من أفعال العباد وكلها مخلوقة، لكن القرآن كيف تُصُرِّف فيه حينئذٍ لا يخرج عن كونه كلام الله تعالى.

قال: فأعمال العباد مخلوقة والقرآن حيثما تصرف وأين كتب وحيث تلي كلام الله تعالى غير مخلوق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت