والتحبير: التزيين والتحسين، فلو علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه لمد في قراءته ورتلها، كما كان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقراءة.
ومعاذ الله أن يتأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: إن القرآن يزين بالأصوات أو بغيرها، فمن تأول هذا فقد واقع أمرا عظيما أن يحوج القرآن إلى من يزينه، وهو النور والضياء والزين الأعلى لمن ألبس بهجته واستنار بضيائه.
وقد قيل: إن الأمر بالتزيين اكتساب القراءات وتزيينها بأصواتنا وتقدير ذلك، أي زينو القراءة بأصواتكم، فيكون القرآن بمعنى القراءة، كما قال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [آية 78 سورة الإسراء.] أي قراءة الفجر، وقوله: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [آية 18 سورة القيامة] . أي قراءته.
وكما جاء في صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَالَ:"إِنَّ فِى الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا" [1] . أي قراءة.
وقال الشاعر [2] في عثمان رضى الله عنه:
ضحوا بأشمط [3] عنوان السجود به ** يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
أي قراءة .. فيكون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدها - على ما نبينه - فيمتنع.
وقد قيل: إن معنى يتغنى به، يستغنى به من الاستغناء الذي هو ضد الافتقار، لا من الغناء، يقال: تغنيت وتغانيت بنعنى استغنيت.
وفي الصحاح: تغنى الرجل بمعنى استغنى، واغناه الله.
وتغانوا أي استغنى بعضهم عن بعض.
قال المغيرة بن حبناء التميمي: كلانا غنى عن أخيه حياته * ونحن إذا متنا أشد تغانيا وإلى هذا التأويل ذهب سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح، ورواه سفيان عن سعد بن أبى وقاص.
وقد روى عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهويه، أي يستغني به عما سواه من الاحاديث.
والى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن إسماعيل لإتباعه الترجمة بقوله تعالى {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [آية 51 سورة العنكبوت] . .
والمراد الاسستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم، قاله أهل التأويل.
وقيل: إن معنى يتغنى به، يتحزن به، أي يظهر على قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قراءته وتلاوته، وليس من الغنية، لأنه لو كان من الغنية لقال: يتغانى به، ولم يقل يتغنى به ذهب إلى هذا جماعة من العلماء: منهم الإمام أبو
(1) - رواه مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 12 رقم 7)
(2) - هو حسان بن ثابت رضى الله عنه.
(3) - الشمط بالتحريك: بياض شعر الرأس يخالطه سواده. وقيل: الشمط في الرجل شيب اللحية.