وزعم أنه أراد الاستغناء فإنه غلط منه، وإنما عنى الأعشى في هذا الموضع الإقامة، من قول العرب: غني فلان بمكان كذا أي أقام، ومنه قوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [آية 92 سورة الأعراف]
وأما استشهاده بقوله: * ونحن إذا متنا أشد تغانيا *
فإنه إغفال منه، وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه، كما يقال: تضارب الرجلان، إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه.
ومن قال هذا في فعل الاثنين لم يجز أن يقول مثله في الواحد، فغير جائز أن يقال: تغانى زيد وتضارب عمرو، وكذلك غير جائز أن يقال: تغنى بمعنى استغنى.
قلت: ما ادعاه الطبري من أنه لم يرد في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى، فقد ذكره الجوهري كما ذكرنا، وذكره الهروي أيضا.
وأما قوله: إن صيغة فاعل إنما تكون من اثنين فقد جاءت من واحد في مواضيع كثيرة، منها قول ابن عمر: وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام.
وتقول العرب: طارقت النعل وعاقبت اللص وداويت العليل، وهو كثير، فيكون تغاني منها.
وإذا احتمل قوله عليه الصلاة والسلام:"يتغن"الغناء والاستغناء فليس حمله على أحدهما بأولى من الآخر، بل حمله على الاستغناء أولى لو لم يكن لنا تأويل غيره، لأنه مروي عن صحابي كبير كما ذكر سفيان.
وقد قال ابن وهب في حق سفيان: ما رأيت أعلم بتأويل الأحاديث من سفيان بن عيينة، ومعلوم أنه رأى الشافعي وعاصره.
وتأويل سادس - وهو ما جاء من الزيادة في صحيح مسلم عن أبي هريرة حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به"."
قال الطبري ولو كان كما قال ابن عيينة لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى.
قلنا قوله:"يجهر به"لا يخلو أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو من قول أبي هريرة أو غيره، فإن كان الأول وفيه بعد، فهو دليل على عدم التطريب والترجيع، لأنه لم يقل: يطرب به، وإنما قال: يجهر به: أي يسمع نفسه ومن يليه، بدليل قوله عليه السلام للذي سمعه وقد رفع صوته بالتهليل:"أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ... الحديث" [1] ، وسيأتي.
وكذلك إن كان من صحابي أو غيره
(1) - أخرجه البخارى (6610) ، ومسلم (4/ 2076، رقم 2704) ، وأبو داود (2/ 87، رقم 1526) . وأخرجه أيضًا: أحمد (4/ 394، رقم 19538) ، والنسائى في الكبرى (4/ 398، رقم 7679) ، وأبو يعلى (13/ 231، رقم 7252) ، وابن أبى عاصم (1/ 274، رقم 618) . قوله:"اربعوا"أي كفوا وارفقوا