فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 142

فلا حجة فيه على ما راموه، وقد اختار هذا التأويل بعض علمائنا فقال: وهذا أشبه، لأن العرب تسمي كل من رفع صوته ووالى به غانبا، وفعله ذلك غناء وإن لم يلحنه بتلحين الغناء.

قال: وعلى هذا فسره الصحابي، وهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال.

وقد احتج أبو الحسن لمذهب الشافعي فقال: وقد رفع الإشكال في هذه المسألة ما رواه ابن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من المخاض من العقل" [1] .

قال علمائنا: وهذا الحديث وإن صح سنده فيرده ما يعلم على القطع والبتات من أقراءة القرآن بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ، جيلا فجيلا إلى العصر الكريم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيها تلحين ولاتطريب، مع كثرة المتعمقين في مخارج الحروف وفي المد والإدغام والإظهار وغير ذلك من كيفية القراءات.

ثم إن في الترجيع والتطريب همز ما ليس بمهموز ومد ما ليس بممدود، فترجيع الألف الواحدة ألفات والواو الواحدة واوات والشبهه [2] الواحدة شبهات، فيؤدي ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك ممنوع، وإن وافق ذلك موضع نبر وهمز صيروها نبرات وهمزات، والنبرة حيثما وقعت من الحروف فإنما هي همزة واحدة لاغير، إما ممدودة وإما مقصورة.

فإن قيل: فقد روى عبد الله بن مغفل قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له سُورَةَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَرَجَّعَ فِى قِرَاءَتِهِ" [3] ، وذكره البخاري وقال في صفة الترجيع: آء آء آء، ثلاث مرات."

قلنا: ذلك محمول على إشباع المد في موضعه، ويحتمل أن يكون صوته عند هز الراحلة، كما يعتري رافع صوته إذا كان راكبا من اضغاط صوته وتقطيعه لأجل هز المركوب، وإذا احتمل هذا فلاحجة فيه.

(1) - أخرجه ابن أبى شيبة (6/ 123، رقم 29991) ومن طريقه أخرجه ابن حبان (1/ 325 رقم 119) وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أحمد (4/ 146، رقم 17355) ، قال الهيثمى (7/ 169) : رجاله رجال الصحيح. والطبرانى (17/ 290، رقم 800) ، والبيهقى في شعب الإيمان (2/ 335، رقم 1967)

وشرح كلمات الحديث:"تفصيًا": التفصى الانفصال والتفلت. والعقال هو الحبل الذى يربط به البعير.

(2) - ذكر في باب (ذكر معنى الصورة والآية) الخ: أن الشبهات هي الحروف، ولم أر هذا التعبير لغيره.

(3) - رواه مسلم (1/ 547 رقم 794) وقوله (فرجع في قراءته) ذكر النووي في شرحه على مسلم ما حاصله: قال القاضي أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها، قال أبو عبيد: والأحاديث الواردة في ذلك محمولة على التحزين والتشويق، قال: واختلفوا في القراءة بالألحان فكرهها مالك والجمهور لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم وأباحهم أبو حنيفة وجماعة من السلف والترجيع ترديد الصوت في الحلق وقد حكى عبدالله بن مغفل ترجيعه عليه السلام بمد الصوت في القراءة نحو آ آ آ قال ابن الأثير وهذا إنما حصل منه والله أعلم يوم الفتح لأنه كان راكبا فحدث الترجيع في صوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت