فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 132

بعضهم لبعض أبدًا فدعاهم بلا مال ولا أتباع - بل خذله قومه - إلى أن ينحطوا من ذلك العز إلى غرم الزكاة.

ومن الحرية والظلم إلى جري الأحكام عليهم ومن طول الأيدي بقتل من أحبوا وأخذ مال من أحبوا إلى القصاص من النفس ومن قطع الأعضاء من اللطمة من أجل من فيهم لأقل علج غريب دخل فيهم وإلى إسقاط الأنفة والفخر إلى ضرب الظهور بالسياط وبالنعال إن شربوا خمرًا أو قذفوا إنسانًا.

وإلى الضرب بالسوط والرجم بالحجارة إلى أن يموتوا إن زنوا فانقاد أكثرهم لكل ذلك طوعًا بلا طمع ولا غلبة ولا خوف ما منهم أحد أخذ بغلبة إلا مكة وخيبر فقط وما غزا قط غزوة يقاتل فيها إلا تسع غزوات بعضها عليه وبعضها له، فصح ضرورة أنهم إنما آمنوا طوعًا لا كرهًا.

وتبدلت طبائعهم بقدرة الله تعالى من الظلم إلى العدل ومن الجهل إلى العلم ومن الفسق والقسوة إلى العدل العظيم الذي لم يبلغه أكابر الفلاسفة وأسقطوا كلهم أولهم عن آخرهم طلب الثأر وصحب الرجل منهم قاتل ابنه وأبيه وأعدى الناس له صحبة الأخوة المتحابين دون خوف يجمعهم ولا رياسة ينفردون بها دون من أسلم من غيرهم ولا مال يتعجلونه فقد علم الناس كيف كانت سيرة أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ وكيف كانت طاعة العرب لهما بلا رزق ولا عطاء ولا غلبة.

فهل هذا إلا بغلبة من الله تعالى على نفوسهم كما قال تعالى {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} ثم بقي عليه الصلاة والسلام كذلك بين أظهرهم بلا حارس ولا ديوان جند ولا بيت مال محروسًا معصومًا.

وقال ابن حزم رحمه الله أيضًا قبل ذلك: كانت العرب بلا خلاف قوما لقاحًا لا يملكهم أحد كمضر وربيعة وإياد وقضاعة أو ملوكًا في بلادهم يتوارثون الملك كابرًا عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت