أشد ما لقيته منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل، بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، وإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني، فقال إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم"بل أرجو، أن يخرج الله من أصلابهم، من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا"متفق عليه.
58 -ومن ذلك ما ورد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم حراء، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وطلحة، وسعيد، فتحرك الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اسكن حراء، فليس عليك إلا نبي أو صديق، أو شهيد، فسكن الجبل.
59 -ومن أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم أنه بعث خالد بن الوليد من تبوك، في أربع مائة وعشرين فارسًا، إلى أكيدر دومة الجندل، من كندة، فقال خالد يا رسول الله، كيف لي به وسط بلاد كلب، وإنما أنا في عدد يسير، فقال ستجده يصيد البقر، فتأخذه، فخرج خالد، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، في ليلة مقمرة صافية، وهو على سطح له، من شدة الحر، مع امرأته، فأقبلت البقر، تحك بقرونها باب الحصن، فقال أكيدر دومة: والله ما رأيت بقرا جاءتنا ليلًا غير هذه الليلة، لقد كنت أضمر لها الخيل، إذا أردتها شهرًا أو أكثر، ثم نزل فركب بالرجال، والآلة، فلما فصلوا من الحصن، وخيل خالد تنظر إليهم، لا يصهل منها فرس ولا يتحرك، فساعة فصل، أخذته الخيل، فاستؤسر أكيدر دومة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: