والدين والسياسة في الدنيا والبأس والحلم وخلال الخير ما كان كل واحد منهما حقيقًا بسياسة العالم كله فلم يحابهما وهما من أشد الناس محبة فيه وهو من أحب الناس فيهما.
إذ كان غيرهما متقدمًا لهما في الفضل قاصدًا اتباع ما أمر به صلى الله عليه وسلم.
ولم يورث ورثته ابنته ونساءه وعمه فلسًا فما فوقه وهم كلهم أحب الناس إليه وأطوعهم له، وهذه أمور لمن تأملها كافية مغنية في أنه إنما تصرف بأمر الله تعالى له لا بسياسة ولا بهوى فوضح بما ذكرنا ولله الحمد كثيرًا أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حق وأن شريعته التي أتى بها هي التي وضحت براهينها واضطرت دلائلها إلى نصديقها والقطع على أنها الحق الذي لا حق سواه وأن دين الله تعالى الذي لا دين له في العالم غيره انتهى كلامه.
وقال بعضهم يخاطب نفسه ويوبخها على تفريطها وإهمالها:
يا نَفْسِ هَذَا الَّذِيْ تَأْتِيْنَهُ عَجَبٌ ... عِلْمٌ وعَقْلٌ ولا نُسْكٌ ولا أَدَبُ
وَصْفُ النِّفَاقِ كَمَا في النَّصِّ نَسْمَعُهُ ... عِلْمُ اللِّسَانِ وجَهْلُ القَلْبِ والسّبَبُ
حُبُّ المتَاعِ وحُبُّ الجَاهِ فانْتَبِهِيْ ... مِن قَبْلُ تُطوَى عَلَيْك الصُّحْفُ والكُتُبُ
وتُصْبِحِيْنَ بِقَبْرٍ لا أَنِيْسَ بِهِ إِلا ... الأَهْلُ والصّحْبُ لَمَّا أَلْحَدُوْا ذَهَبُوْا
وخَلَّفُوكِ وَمَا أَسْلَفْتِ مِن عَمَلٍ ... الْمَالُ مُسْتَأْخِرٌ وَالكَسْبُ مُصْطَحَبُ
واسْتَيْفِنِي أَنَّ بَعْدَ المَوْتِ مُجْتَمَعًا ... لِلْعَالَمِيْنَ فَتَأْتِيْ العُجْمُ والعَرَبُ
والخَلْقُ طُرًّا وَيَجْزِيْهِمْ بِمَا عَمِلُوْا ... فِي يَوْمِ لا يَنْفَعُ الأَمْوَالُ والحَسَبُ
واخْشَىْ رُجُوْعًا إِلى عَدْلٍ تَوَعَّدَ مَنْ ... لا يَتَّقِيْهِ بِنَارٍ حَشْوُهَا الغَضَبُ
وَقُوْدُهَا النَّاسُ والأَحْجَارُ حَامِيَةٌ ... لا تَنْطَقِيْ أَبَدَ الآبَادِ تَلْتَهِبُ
والبُعْدِ عَن جَنَّةِ الخُلْدِ التِي حُشِيَتْ ... بالطَّيِبَاتِ ولا مَوْتٌ ولا نَصَبُ
فِيْهَا الفَوَاكِهُ والأَنْهَارُ جَارِيَةٌ ... والنُوْرُ والحُوْرُ والوِلْدَانُ والقُبَبُ
... لا يَفْتِنَنَّكِ مِنْهَا الوَرْقُ والذَّهَبُ