لهفوة أو عثرة ليكون بأمته رؤوفًا وعلى الخلق عطوفًا قد تناولته قريش بكل كبيرة وقصدته بكل جريرة وهو صبور عليهم ومعرض عنهم.
وما تفرد بذلك سفهاؤهم عن حلمائهم ولا أراذلهم دون عظمائهم بل تمالأ عليه الجلة والدون، فكلما كانوا عليه من الأمر ألح - كان عنهم أعرض وأصفح حتى قهر فعفا، وقدر فغفر.
(وقال لهم) حين ظفر بهم عام الفتح وقد اجتمعوا إليه ما ظنكم بي قالوا ابن عم كريم فإن تعف فذاك الظن بك وإن تنتقم فقد أسأنا فقال بل أقول كما قال يوسف لإخوته {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .
وقال: اللهم قد أذقت أول قريش نكالًا فأذق آخرهم نوالًا وأتته هند بنت عتبة وقد بقرت بطن عمه حمزة ولاكت كبده فصفح عنها وأعطاها يده لبيعتها.
فإن قيل فقد ضرب رقاب بني قريظة صبرًا في يوم واحد وهم نحو سبعمائة فأين موضع العفو والصفح قيل إنما فعل ذلك في حقوق الله تعالى.
وقد كانت بنو قريظة رضوا بتحكيم سعد بن معاذ عليهم فحكم أن من جرت عليه الموسى قتل ومن لم تجر عليه استرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة، فلم يجز أن يعفو عن حق وجب لله تعالى عليهم وإنما يختص عفوه بحق نفسه.
والخصلة السادسة: حفظه للعهد ووفاؤه بالوعد فإنه ما نقض لمحافظ عهدًا ولا أخلف لمراقب وعدًا يرى الغدر من كبائر الذنوب والإخلاف من مساوئ الشيم فيلتزم فيهما الأغلظ ويرتكب فيهما الأصعب حفظًا لعهده ووفاء بوعده حتى يبتدئ معاهدوه بنقضه فيجعل الله تعالى له مخرجًا كفعل اليهود من بني قريظة وبني النضير وكفعل قريش بصلح الحديبية فيجعل الله تعالى له في نكثهم الخيرة.