فهرس الكتاب
وقوله: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار) [1]
فالأدلة الثلاثة الأولى ظاهرها - إذا لم يضم إليها ما يقابلها - يكاد يكون صريحًا في مذهب الخوارج، والدليل الرابع يكاد يكون صريحًا في مذهب المرجئة، ولكن كما كررنا من قبل، من أعظم أسباب ضلال هؤلاء أخذهم بجانب من الأدلة وتركهم الجانب الآخر، أما أهل السنة فينظرون إلى جميع الأدلة والأحاديث إذا ثبت في مسألة معينة فيضمون بعضها إلى بعض، وكأنها دليل واحد، أو حديث واحد فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل الاعتقاد والعمل بجميع ما في مضمونها [2] .
وهكذا نظروا لهذه الأدلة وما يشبهها فقال الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسير آية قتل العمد المشار إليها بعد أن استعرض الأقوال في تفسيرها: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله:(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا) [3] [4] وقال الخطابي: (القرآن كله بمنزلة الكلمة الواحدة، وما تقدم نزوله وما تأخر في وجوب العمل به سواء مالم يقع بين الأول والآخر منافاة، ولو جمع بين قوله:(ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [5] وبين قوله: (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها) [6] ، وألحق به قوله: (لمن يشاء) لم يكن متناقضًا، فشرط المشيئة قائم في الذنوب كلها ما عدا الشرك، وأيضًا فإن قوله: (فجزاؤه جهنم) إن جازاه الله ولم يعف عنه، فالآية الأولى خبر لا يقع فيه الخلف، والآية الأخرى وعيد [7] يرضي فيه العفو والله أعلم) [8] .
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة) وقوله: (فالجنة عليه حرام) ففيه جوابان: (أحدهما: أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه فهذا كافر لا يدخلها أصلًا، والثاني: معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم، بل يؤخر ثم قد يجازى وقد يعفى عنه فيدخلها أولًا) [9] .
(1) رواه مسلم (بشرح النووي 1/ 229) الإيمان (باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة)
(2) انظر المختار من كنوز السنة 95.
(3) سورة الزمر، آية: 53.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 9/ 69، وانظر الأقوال في تفسير الآية 9/ 61 - 69 وانظر كلامًا قريبًا من ذلك في التوحيد لابن حزيمة 2/ 869.
(5) سورة النساء: 48، 116.
(6) سورة النساء: 93.
(7) في الأصل (وعد) والصحيح ما أثبتناه.
(8) الجامع لشعب الإيمان 2/ 103.
(9) مسلم بشرح النووي 2/ 17 وانظر ص 2/ 52.