فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 348

و- ومن ردوده عليهم - رحمه الله - رده على دعواهم استحالة اجتماع الولاية والعداوة والحمد والذم في الشخص الواحد، لذلك من عمل الكبيرة والسوء فقد صار عدوًا لله، وليس وليا وهكذا، قال - رحمه الله - رادًا على هذه الدعوى: (ثم يقال لهم: ما تقولون إن عارضتكم المرجئة بكلامكم نفسه، فقالوا: من المحال أن يكون إنسان واحد محمودًا مذمومًا محسنًا مسيئًا عدوًا لله وليا له معا، ثم أرادوا تغليب الحمد والإحسان والولاية، وإسقاط الذم و الإساءة والعداوة، كما أردتم أنتم بهذه القضية نفسها تغليب الذم والإساءة والعداوة، وإسقاط الحمد والإحسان والولاية، فإن قالت المعتزلة، إن الشرط في حمده وإحسانه وولايته أن تجتنب الكبائر، قلنا لهم: فإن عارضتك-م المرجئة فقالت: إن الشرط في ذمه وإساءته ولعنه وعداوته ترك شهادة التوحيد، فإن قالت المعتزلة: إن الله قد ذم المعاصي وتوعد عليها، قيل لهم فإن المرجئة تقول لكم إن الله تعالى قد حمد الحسنات [والتوحيد] ووعد عليها، وأراد بذلك تغليب الحمد، كما أردتم تغليب الذم، فإن ذكرتم آيات الوعيد ذكروا آيات الرحمة [1] إذًا كل شبهة ودعوى يتعلق بها الوعيدية، فبنفس دعواهم ومنطقهم يرد عليهم.

ز- يقال لهم - أيضًا - ترجيح عمومات الوعد أولى، لأنه ثبت في النصوص الصحيحة، أن رحمة الله غلبت غضبه أو سبقت غضبه [2] ، و لأنها أدل على الجود والكرم من عمومات الوعيد. [3]

ولعلنا من باب زيادة الإيضاح نذكر بعض أدلة الوعد والترغيب المقابلة لأدلة الوعيد التي ذكروها في حججهم ثم نجيب عن بعض اعتراضاتهم عليها.

بعض آيات الوعد التي استدل بها أهل السنة وردودهم عليها:

منها قوله سبحانه وتعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} [4] .

وقوله سبحانه: {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا} [5] ، وقوله عز وجل: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} [6] وقوله عز وجل: {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [7] ، وقوله سبحانه: {للذين أحسنوا بالحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [8] وقوله عز وجل: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة و إن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا} [9] ، وغيرها من الآيات وهي كثيرة جدًا، أما ردود الوعيدية على هذه الآيات فهي في الغالب عمومات - كما سنرى- فمثلًا قوله سبحانه {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} قالوا: إن ذلك يكون في حق من اتقى المعاصي والسيئات قبل إحسانه، ومن ركب المعاصي لم يقبل عمله فإذا كان ذلك كذلك لم يقبل إحسان مع السيئة، لأنه لا يقبل إلا من المتقين، وكيف يكون من المتقين من زنا وسرق وقذف وشرب الخمر ... ؟ [10] واحتجوا بقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} [11] .

وقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك بجواب مطول ومما قال فيه: (إن المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض، في قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [12] ، قال: أخلصه، وأصوبه، قيل: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، و إن كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة [13] ، فمن عمل لغير الله - كأهل الرياء- لم يقبل منه ذلك كما في الحديث الصحيح، يقول الله عز وجل:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، فأنا برئ منه، وهو كله للذي أشركه" [14] ... لا يجوز أن يراد بالآية: أن الله لا يقبل العمل إلا ممن يتقي الذنوب كلها، لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقيًا، فإن كان قبول العمل مشروطًا بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا اشترك التقوى في العمل، فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة ... أيضًا فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل، وغصب، وقذف - وكذلك الذمي إذا أسلم - قبل إسلامه مع بقاء المظالم عليه .. ولا نعرف أحدًا من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال له، لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب ... ) [15]

أما قوله سبحانه: {و إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} [16] فقالت الوعيدية عنها: (إن الأخذ بظاهر الآية مما لا يجوز بالاتفاق، لأنه يقتضي الإغراء على الظلم وذلك لا يجوز على الله تعالى فلابد أن يؤول، وتأويله هو أنه يغفر للظالم على ظلمه إذا تاب) [17] ، ويجاب عن ذلك بأنه ثبت في الصحيح، ما يدل على أن لا يختص بالتائب،

(1) نفسه 3/ 232.

(2) انظر صحيح البخاري (كتاب التوحيد) باب قوله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} (الفتح 13/ 440) .

(3) انظر التفسير الكبير 3/ 171.

(4) سورة الأنعام، آية: 16.

(5) سورة الأحزاب، آية: 71.

(6) سورة الرعد، آية 6.

(7) سورة يوسف، آية: 87.

(8) سورة يونس، آية: 26.

(9) سورة النساء، آية: 40.

(10) انظر جامع البسيوي 1/ 212، مشارق الأنوار 2/ 144.

(11) المائدة، آية: 27.

(12) سورة الملك، آية: 2.

(13) انظر تفسير البغوي - سورة الملك 8/ 176، ط دار طيبة.

(14) رواه مسلم، كتاب الزهد"باب الرياء"، مسلم بشرح النووي 18/ 115.

(15) الإيمان الأوسط 36 - 40.

(16) سورة الرعد، آية: 6.

(17) شرح الأصول الخمسة 684.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت