فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 348

حيث قال - صلى الله عليه وسلم:"من كانت عنده لأخيه مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم ألقي في النار" [1] فثبت أن الظالم له حسنات يستوفي منها حقه [2] ، ولو كان عمله حابطًا بالظلم، لم يأت بحسنات، ولو كان تائبًا لم يسم ظالمًا، أما القول إن الأخذ بظاهرها لا يجوز بالاتفاق فيقال له، اتفاق من؟ ثم، ليس في الآية إغراء على الظلم، لأن الأصل معاقبة الظالم على ظلمه إلا أن يشاء الله، كما دلت على ذلك آيات أخرى مثل قوله سبحانه: {ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون} [3] ، وكذلك قوله سبحانه: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [4] ثم الآية بعدها {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها} إلى قوله عز وجل: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [5] قالوا عنها: ( .. إنه توعد الذين عملوا السيئات بالنار مخلدين فيها وهذا الحكم يصدق على من أتى سيئة فإن السيئات جنس غير محصورة أفراده، وما كان كذلك فحكمه يصدق على كل فرد من أفراده سلبًا وإيجابًا .." [6] ."

وهذا الطرف، يرد عليه بما يقابله فيقال، والحكم الأول يصدق على من أتى أي حسنة، فلابد من التوازن وربط ذلك بالنصوص الأخرى الشبيهة والمكملة.

ثانيًا: ومما يرد عليهم به بعض النصوص الصريحة - كما سبقت الإشارة إليه - في أن من مات موحدًا، فهو تحت المشيئة وأن مآله إلى الجنة، من مثل حديث أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم: أنه قال"أتاني جبريل عليه السلام فبشرني: أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق، قال و إن زنى وإن سرق" [7] وهذا من أقوى النصوص في إبطال مذهب الوعيدية، ولم أجد - حسب المراجع المتوفرة لدى - ما يردون به على الدليل.

أيضًا مما يستدل به على أن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة، ومما يعتبر استثناءًا من عموم الوعيد قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [8] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - (فجعل ما دون ذلك الشرك معلقًا بمشيئته، ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب: فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره، كما قال سبحانه: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا} [9] فهنا عمم وأطلق لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلق [10] .

وهذه الآية، اضطرب الوعيدية في الجواب عنها ومن أشهر أجوبتهم، قول بعضهم: (فإن سألوا عن قول الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [11] قيل لهم: فقد قال الله أيضًا: إن الله يغفر الذنوب جميعا [12] ، ولم يخص ذنبًا دون ذنب، ولا غير شرك من شرك، فيجب بهذا من قول الله، أن يكون يغفر الشرك وغير الشرك .. إلى أن يقول، وقوله عز وجل: {لمن يشاء} فقد شاء أن يغفر لمجتنب الكبائر ما دون الكبائر، ولم يشأ أن يغفر لمرتكبها إذا لقي الله بها .. ) [13] ، ويقول القاضي في شرح الأصول الخمسة (اعلم أن(العلماء) رحمهم الله قالوا: إن الآية مجملة مفتقرة إلى البيان، لأنه قال: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ولم يبين من الذي يغفر له، فاحت-مل أن يكون المراد به أصحاب الصغائر، واحتمل أن يكون المراد به أصحاب الكبائر، فسقط احتجاجهم بالآية .. ووجه آخر، وهو أن أكثر ما في الآية تجويز أن يغفر الله تعالى ما دون الشرك على ما هو مقرر في العقل، فلو خلينا وقضية العقل لكنا نجوز أن يغفر الله تعالى، ما دون الشرك لمن يشاء إذا سمعنا هذه الآية، غير أن عمومات الوعيد تنقلنا من التجويز إلى القطع على أصحاب الكبائر يفعل بهم ما يستحقونه، و أنه تعالى لا يغفر لهم إلا بالتوبة والإنابة [14] .

ويرد على هذا الاستدلال بما يلي:

1 -قوله سبحانه: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} [15] ، النظر في سياق الآية، وما بعدها يدل صراحة على أنها خاصة بالتائب، حيث قال سبحانه: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} وقال في الآية بعدها، {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} [16] ، أما قوله سبحانه: إن

(1) رواه البخاري، كتاب المظالم"باب من كانت عنده مظلمة لأخيه .."5/ 73 (الفتح)

(2) شرح العقيدة الطحاوية 361.

(3) سورة إبراهيم، آية 42.

(4) سورة يونس، آية: 26.

(5) سورة يونس، آية 27.

(6) الحق الدامغ 22، 221.

(7) رواه مسلم"كتاب الإيمان"، باب من مات لا يشرك باله شيئًا دخل الجنة"مسلم بشرح النووي 2/ 93 - 94."

(8) سورة النساء، آية: 48.

(9) سورة الزمر، آية: 53.

(10) الإيمان الأوسط 26،27 وانظر تفسير القرطبي 5/ 161، وانظر ما نقلنا عن الإمام المروزي، في تفسير هذه الآية في الفصل السابق ص 111.

(11) سورة النساء، آية: 48.

(12) سورة الزمر، آية: 53.

(13) الموجز لأبي عمار الأباضي 2/ 91.

(14) شرح الأصول الخمسة 678، وانظر رسائل العدل والتوحيد 1/ 151، والحق الدامغ 217، 218، ومشارق أنوار العقول 2/ 152.

(15) سورة الزمر، آية: 53.

(16) سورة الزمر، آية: 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت