فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 348

الله لا يغفر أن يشرك به ... الآية [1] ، فلا يصح حملها على التائب، لأن التائب يغفر له حتى و إن أشرك، فوجب حملها على أن مرتكب الذنوب - غير المشرك- إذا لقي الله سبحانه بدون توبة فهو تحت المشيئة.

2 -أما قولكم: إن الآية مجملة فتحتمل الصغائر والكبائر .. إلخ، فيقال لكم: وما المانع من حملها على إجمالها وعمومها، على طريقتكم في الاستدلال؟

3 -أما دعواكم، إن الآية فيها تجويز المغفرة لما دون الشرك، غير أن عمومات الوعيد تمنع ذلك، فيمكن يقال لكم عكس ذلك، أن عمومات الوعيد تدل على العقوبة وعدم المغفرة وهذه الآية تجوز المغفرة فتكون مخصصة للعموم، ويمكن أن يقال - بمثل ما سبق- ولماذا الذهاب إلى عمومات الوعيد وليس الوعد؟

ثالثًا: الرد على بعض أدلتهم التفصيلية في الوعيد، وسنختار دليلين منها - من باب الاختصار:

1 -من أهم استدلالاتهم المذكورة استدلالهم بقوله سبحانه: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [2] ، وقد سبق في أول مبحث أدلة الوعيدية ذكر وجه استدلالهم بها [3] ، وقد أجاب أهل السنة عنها، بعدم فصلها عن النصوص الأخرى المفسرة لها، يقول الإمام الطبري - رحمه إله:(وأما السيئة التي ذكر الله في هذا المكان، فإنها الشرك بالله) ونقل هذا التفسير عن أئمة التابعين كمجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم، ثم قال: (وإنما قلنا إن السيئة .. في هذا الموضع، إنما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض، و إن كان ظاهرها في التلاوة عامًا، لأن الله قضى على أهلها بالخلود في النار والخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به، لتظاهر الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها، و أن الخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان، فإن قال لنا قائل: فإن الله جل ثناؤه إنما ضمن لنا تكفير سيئاتنا باجتنابنا كبائر ما ننهى عنه، فما الدلالة على أن الكبائر غير داخلة في قوله:(بلى من كسب سيئة) ؟ قيل: لما صح أن الصغائر غير داخلة فيه، و أن المعنى بالآية خاص دون عام، ثبت وصح أن القضاء والحكم بها غير جائز لأحد على أحد، إلا على من وقفه الله عليه بدلالة من خبر قاطع عذر من بلغه. وقد ثبت وصح أن الله تعالى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به، بشهادة جميع الأمة، فوجب بذلك القضاء على أن أهل الشرك والكفر ممن عناه الله بالآية، فأما أهل الكبائر، فإن الأخبار القاطعة عذر من بلغته، قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنيين بها .. ) [4]

(1) سورة النساء، آية: 48.

(2) سورة البقرة، آية: 81.

(3) انظر ص 147.

(4) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 281 - 283، وانظر تفسير القرطبي 2/ 12، وفتح القدير 1/ 105، وتفسير ابن كثير 1/ 119، وتفسير السعدي 1/ 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت