خلاصة كلام الطبري - رحمه الله: أن الآية و إن كانت عامة إلا أنها مخصصة بالأخبار المتواترة الدالة على عدم خلود من يدخل النار من أهل الكبائر، ومما يؤكد ذلك، أنها لا تشمل مرتكب الصغائر باتفاق الجميع، لذلك يقال لهؤلاء الوعيدية: إذا قلتم: لماذا أخرجتم مرتكب الكبائر من هذا العموم؟ قلنا لكم، ولماذا أخرجتم مرتكب الصغائر؟ فإن قالوا: للنصوص الدالة على تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وفعل الحسنات، قلنا، ونحن أخرجنا الكبائر للنصوص الدالة على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار.
2 -واستدلوا بقوله تعالى {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها .. الآية} [1] أيضًا هذه الآية مخصصة بالاتفاق، فالوعيدية يخصصونها فيقولون:
3 -إن هذا جزاؤه إلا من تاب، و أهل السنة، يخصصونها بالتوبة، وبنصوص الوعد الأخرى، وبنصوص خاصة في أن القاتل تحت المشيئة، قال الإمام القرطبي - رحمه الله: (ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [2] ، وقوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} [3] ، وقوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [4] والأخذ بالظاهرين تناقض فلابد من التخصيص [5] ، ومما يدل على التخصيص حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - وفيه:"ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، و إن شاء عذبه" [6] فوضع أهل المعاصي، ومنهم القاتل تحت المشيئة، وقد سبق الحديث عن ذلك في الفصل السابق.
رابعًا: الرد على أدلتهم من السنة:
من مثل قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل الجنة نمام" [7] ونحو ذلك، قد سبق الكلام عن مثل هذه الأحاديث عند كلامنا عن حكم أهل الكبائر عند أهل السنة، وأشرنا إلى منهج أهل السنة في مثل هذه الأحاديث، حيث يضمونها إلى ما يقابلها من أحاديث الوعد وكأنها دليل واحد فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل الاعتقاد والعمل بجميع هذه الأدلة، فهذه الأحاديث يقابلها الأحاديث الدالة على أن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، وفي بعض الروايات الصحيحة التصريح بأنه يدخل الجنة"وإن زنى وإن سرق"وأحاديث الشفاعة ومن قال لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة ونحو ذلك، فيجب الجمع بين هذه الأحاديث التي قد تبدو في الظاهر متعارضة، وهذا ما فعله أهل السنة: فقالوا: إن معنى هذه الأحاديث: لا يدخل الجنة ابتداءًا، أو تحمل على مستحل ذلك .. الخ.
خامسًا: مناقشة رأيهم في الشفاعة:
قال ابن الوزير - رحمه الله: (وأحاديث الشفاعة المصرحة بخروج الموحدين من النار قاطعة في معناها بالإجماع، وهي قاطعة في ألفاظها .. لورودها عن عشرين صحابيا أو تزيد .. ) [8] واعترض الوعيدية على إثبات ذلك بعدة أمور أهمها:
1 -استدلالهم بعموم بعض الآيات القرآنية السابق ذكرها وهي قوله سبحانه: {واتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا ولا يقبل منها شفاعة} [9] وقوله {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} [10] .
قالوا: والظالم اسم لكل من ظلم نفسه أو ظلم غيره ولا تخص المشركين.
2 -قالوا عن أحاديث الشفاعة: أنها لا تصح، ومن صححها منهم قال: إنه خبر واحد لا يعارض القطعي، ولو لم يعارض القطعي لما أوجب العلم فلا يحتج به في مثل هذه المسائل، وبعضهم قال: لا تصح لمخالفتها ما في القرآن وذكر بعضهم روايات تخالف هذه الرواية ونصها:"لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي" [11] .
3 -والبعض أول هذه الأحاديث - على فرض تصحيحه لها - على أن المراد به شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي إذا تابوا [12] ، وأجاب أهل السنة عن ذلك بما يلي:
1 -بالنسبة لمعارضتهم الأحاديث المتواترة بعموم الآيات مثل قوله تعالى: {ولا يقبل منها شفاعة} [13] وغيرها، أجاب الإمام القرطبي عن ذلك فقال: (فإن قالوا: قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب رد هذه الأخبار مثل قوله: {وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} [14] ، قالوا: وأصحاب الكبائر ظالمون، وقال: {من يعمل سوءًا يجز به} [15] {ولا يقبل منها شفاعة} [16] ، قلنا:
(1) سورة النساء، آية: 93.
(2) سورة هود، آية: 114.
(3) سورة التوبة، آية: 104.
(4) سورة النساء، آية: 48.
(5) تفسير القرطبي 5/ 333، 334.
(6) مضى تخريجه، وهو في الصحيحين انظر ص 110.
(7) مضى تخريجه قريبًا ص 148.
(8) إيثار الحق على الخلق 295، وقد سبق ذكر بعض هذه الأحاديث ص 114، 115.
(9) سورة البقرة، آية: 48.
(10) سورة غافر، آية: 18.
(11) انظر هذه الأقوال في شرح الأصول الخمسة 672، 673، 690، 961، مشارق الأنوار 2/ 133، 134، منهج الطالبين 1/ 521.
(12) انظر شرح الأصول 691، مشارق الأنوار 134.
(13) سورة البقرة، آية: 48.
(14) سورة غافر، آية: 18.
(15) سورة النساء، آية: 123.
(16) سورة البقرة، آية: 48.