4 -يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة، وهذا كقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [1] ، {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} [2] وأمثال ذلك.
وأما الثاني: فالقلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، و أنه رسول الله، وكان محبًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- معظمًا له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاد أنه صادق لا يكون إيمانًا إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب .. يبين ذلك قوله: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة} [3] ، فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه وذكر وعيده في الآخرة، ثم قال: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة} وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا، ومعلوم أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب الحب والبغض، وهؤلاء يقولون: إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق و الإيمان من قلوبهم، و إن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة، والله سبحانه وتعالى جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران، واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ماله في الآخرة من خلاق،،"و أيضًا"فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره، لأن الإكراه على ذلك ممتنع، فعلم أن التكلم بالكفر كفر لا في حال الإكراه [4] .
ثالثًا: ... مما يمكن أن يرد عليهم به أن يقال: قولكم إن ساب الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكفر إذا كان مستحلًا و إن لم يكن مستحلًا فسق [5] ، يلزم منه أن لا أثر للسب في التكفير وجودًا وعدمًا، وإنما المؤثر هو الاعتقاد فإن اعتقد حل السب كفر سواء اقترن به وجود السب أو لم يقترن، وهذا خلاف ما أجمع عليه العلماء. [6]
(1) سورة المائدة، آية: 73.
(2) سورة المائدة، آية: 27، 72.
(3) سورة النحل، آية: 106 - 107.
(4) الإيمان الأوسط 99 - 102، وانظر وجوهًا أخرى 124 - 127.
(5) وممن قرر ذلك ونقله عن الفقهاء القاضي أبو يعلى، وفند شيخ الإسلام هذه المقولة، انظر الصارم المسلول 516 - 527 حتى قال: (فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدًا لها عالمًا بأنها كلمة الكفر فإنه يكفر بذلك ظاهرًا وباطنًا، ولا نجوز أن يقال إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا، ومن قال ذلك: فقد مرق من الإسلام) الصارم 526.
(6) انظر الصارم المسلول 518.