وهم يشهدون أن لا إله إلا الله و أن محمدًا رسول الله، ويؤذنون ويصلون، فإن قال: إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي، فقل هذا هو المطلوب. إذا كان من رفع رجلًا إلى رتبة النبي - صلى الله عليه وسلم- كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف [1] أو صحابيًا أو نبيًا إلى مرتبة جبار السموات و الأرض؟ ويقال أيضًا: الذين حرقهم علي - رضي الله عنه - وتعلموا العلم من الصحابة، ولكنهم اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ .. ويقال أيضًا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس، كلهم يشهدون بألسنتهم أن لا إله إلا الله و أن محمدًا رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، و أن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين ... ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} [2] أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم- ويجاهدون معه ويصلون معه ويزكون ويحجون ويوحدون، وكذلك الذين قال الله فيهم: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [3] ، فهؤلاء الذين صرح الله فيهم، أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح .. ) [4] .
ومن التطبيقات العملية لتكفير المعين إذا قامت عليه الحجة إجماع السلف على قتال الطائفة الممتنعة [5] عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، استنادًا لقتال الصحابة لمانعي الزكاة رغم إقرارهم بها، واعتمد شيخ الإسلام هذه القاعدة في فتواه الشهيرة عن التتار ووجوب قتالهم كحال المرتدين فقال رحمه الله: (كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه و إن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام عملًا بالكتاب والسنة ... فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام، أو الحج أو التزام تحريم الدماء والأموال، والخمر والزنا .. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها و إن كانت مقره
(1) من الطواغيت التي كانت تعبد في نجد قديمًا، كشف الشبهات 40.
(2) التوبة، آية: 74.
(3) التوبة: 65 - 66.
(4) كشف الشبهات 39 - 44.
(5) لا يلزم من المقالة التكفير في كل حال، لكن قتال الطائفة الممتنعة من باب التكفير كما في كلام شيخ الإسلام وسيأتي لذلك مزيد تفصيل إن شاء الله.