فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 348

التأويل الثاني: أنه قال ذلك في حال دهشته ولم يقله قاصدًا لحقيقة المعنى وهذا القول رجحه ابن حجر - حيث قال في الفتح: ( ... وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلب الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل، والذاهل والناسي الذي لا يؤخذ بما يصدر منه) [1] ، وهذا التفسير فيه ضعف ظاهر من وجهين:

الأول: أنه لو كان غير مدرك ولا عاقل لما يقول لفهم أولاده ذلك ولما نفذوا هذه الوصية.

الثاني: أن هذا الحديث يذكر لبيان سعة رحمة الله عز وجل حيث غفر لهذا الرجل رغم هذا الجهل الكبير، فلو كانت المغفرة لرجل أخطأ في كلام قاله دون شعور منه ولا إدراك لما يقول لما كان للمغفرة في هذه الحالة مزية، ولصار في حكم من سقط عنه التكليف، وحينئذ لا يعتبر قد ارتكب خطأ، ولذلك من فقه الإمام الزهري أنه لما روى هذا الحديث الذي تتبين فيه سعة رحمة الله وفضله، روى بعده حديث المرأة التي دخلت النار لهرة حبستها (حديث من أحاديث الخوف والوعيد) ثم قال: (ذلك لئلا يتكل رجل، ولا ييأس رجل) [2] .

2 -ومن الأدلة أيضًا حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب [3] . حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسري على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقي في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها"فقال له صلة [4] : ما تغنى عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثًا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثًا) [5] هذا الحديث و إن كان يتحدث عن حال الناس في آخر الزمان، حيث لا يدري ما صلاة ولا صيام، فإن فيه دليلًا على العذر بالجهل حيث ينطبق الحديث على بعض الأمكنة أو الأزمنة حيث ينتشر الجهل ويضعف نور النبوة، فتخفى على بعض الناس كثير من الأحكام الظاهرة المتواترة كوجوب الصلاة والصوم، ولكن لابد من الإقرار الذي عليه مدار النجاة، لأنه بدون الإقرار لا يكونون مسلمين.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما بعث الله به

(1) الفتح 6/ 523، ومسلم بشرح النووي 17/ 71.

(2) انظر مسلم بشرح النووي 17/ 72: قال النووي: (معناه أن ابن شهاب لما ذكر الحديث الأول خاف أن سامعه يتكل على ما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء فضم إليه حديث الهرة الذي فيه من التخويف ضد ذلك ليجتمع الخوف والرجاء) 17/ 73.

(3) وشي الثوب: لونه ونقشه ونسجه، انظر لسان العرب 15/ 392.

(4) أي صلة بن زفر العبسي، أو أبو بكر الكوفي، تابعي كبير، ثقة جليل، مات في حدود السبعين روى له أصحاب الكتب الستة، انظر تقريب التهذيب 1/ 370.

(5) رواه ابن ماجه (كتاب الفتن) رقم 4049 والحاكم (4/ 473) ، (كتاب الفتن والملاحم) وقال صحيح على شرط مسلم، ورواية الحاكم ليس فيها ذكر الصلاة، وقال البوصيرى في الزوائد إسناده صحيح ورجاله ثقات وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 87، وصحيح ابن ماجه 2/ 378.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت