فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 348

رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم و الإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث:"يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة"ثم ذكر بقية الحديث [1] .

إذًا أمثال هؤلاء عذروا بجهلهم لأن الحجة لم تقم عليهم.

3 -ومن ذلك حديث أبي واقد الليثي [2] - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر - وكانوا أسلموا يوم الفتح- قال: فمررنا بشجرة قلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواط [3] وكان للكفار سدرة يعفكون حولها ويعلقون بها أسلحتهم يدعونها ذات أنواط فلما قلنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم- قال:"الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} [4] لتركبن سنن من كان قبلكم" [5] واضح من هذه الحادثة أن الذي طلبه الصحابة هو شرك [6] ، ولذلك شبهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بطلب بني إسرائيل لموسى أن يجعل لهم إلهًا بل وأقسم على أنه مثله، ولكنهم لم يكفروا بطلبهم لأنهم حدثاء عهد بكفر [7] ، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في تعليقه على هذا الحديث: (فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به، ودعائه، والدعاء عنده ... ؟ قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك [8] : (فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس،

(1) مجموع الفتاوى 11/ 407 وانظر نصًا قريبًا 35/ 165.

(2) * أبو واقد الليثي: مختلف في اسمه قيل: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف ابن الحارث قال ابن سعد: اسلم قديمًا وكان يحمل لواء بني ليث وضمرة وسعد بن بكير يوم فتح مكة وحنين وفي غزوة تبوك يستنفر بني ليث، روى عنه ابناه عبد الملك وواقد، و أبو سعيد الخدري وعطاء بن يسار وآخرون، مات سنة 68 ه- وهو ابن 85 سنة على الصحيح، انظر الإصابة 4/ 215، 216، وتهذيب التهذيب 12/ 270، 271.

(3) ذات أنواط: اسم شجرة بعينها كانت للمشركين، ينوطون بها سلاحهم: أي يعلقونه بها، ويعكفون حولها، انظر النهاية 5/ 128.

(4) الأعراف، آية: 38.

(5) رواه أحمد 5/ 218 (بطريقين) والترمذي كتاب الفتن 4/ 474، وقال حسن صحيح، والطيالسي (1346) وعبد الرزاق (20763) والحميدي (848) وابن جرير الطبري في التفسير 9/ 31، 32، وابن عاصم في السنة (76) (واللفظ له) وقال الألباني"إسناده حسن".

(6) ذهب بعض الباحثين إلى أن طلب الصحابة من قبيل المشابهة للكفار، حيث أرادوا أن يجعل لهم شجرة يعكفون عندها، و أن هذه المشابهة المذكورة ليست من الشرك الأكبر، واستندوا إلى قول لشيخ الإسلام (اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 644) وللشاطبي (الاعتصام 2/ 245، 246) ظنوا أنها تؤيد قولهم انظر، الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد، عبد الرحمن عبد الحميد 84، 85) ولعلنا من باب الاختصار نترك المناقشة التفصيلية لهذا القول ونكتفي بكلام مجمل مفاده: (لو كان طلبهم من باب المشابهة فقط، لما أقسم - صلى الله عليه وسلم- أنهم قالوا مثل ما قال أصحاب موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فالتشبيه هنا يقتضي تمام المشابهة و أن ما طلبوا من جنس اتخاذ آلهة كما سيتضح من كلام الأئمة، كذلك هؤلاء حديثو عهد بكفر، ولذلك لا يستغرب أن يطلبوا أمرًا يقتضي الشرك، فلو كان الذي طلبوا مجرد مشابهة دون الشرك، لما استغرب منهم لأن ذلك يمكن أن يحصل لمن تقدم إسلامه والله أعلم، انظر ردًا مفصلًا في كتاب(العذر بالجهل عقيدة السلف لشريف هزاع 68 - 74) .

(7) انظر كلام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في حاشية فتح المجيد 146.

(8) هو أبو بكر الطرطوشي وكلامه هذا في كتابه الحوادث والبدع ص 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت