فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 348

قال الإمام الشوكاني - رحمه الله - في تعليقه على هذا الحديث: (وفي هذا الحديث دليل على أن من سجد جاهلًا لغير الله لم يكفر) [1] لكن ينبغي أن نعلم أنه لا يلزم من السجود للشخص عبادته، بل يحتمل العبادة، ويحتمل غيرها من التحية والاحترام كما في الحديث المذكور [2] ، بخلاف السجود للصنم فإنه شرك في العبادة [3] ، فعموم الآيات السابقة إضافة إلى الأحاديث المذكورة تقرر مسألة العذر بالجهل، وهذا أمر مجمع عليه، وإنما خالف بعض العلماء وبعض الباحثين بقولهم: إن مسائل أصول الدين وخاصة التوحيد والشرك لا يعذر فيها بالجهل، وسنذكر أبرز أدلتهم ثم رد العلماء عليهم ممن يرى أن الأدلة عامة لأصول الدين وغيرها.

لكن قبل ذكر أدلة الفريقين والمناقشة يحسن بنا أن نذكر - بشيء من الاختصار - بعض المسائل المهمة المتعلقة بهذه القضية، لأنه باتضاحها، يمكن بناء تصور صحيح عن هذه القضية، ويمكن - أيضًا- إدراك كثير من أسباب اللبس في فهمها والله أعلم.

المسألة الأولى: مجرد النطق بالشهادتين كاف في الحكم بإسلام الشخص:

بوب الإمام ابن منده في كتابه الإيمان [4] (ذكر ما يدل على أن قول لا إله إلا الله يوجب اسم الإسلام ويحرم مال قائلها ودمه، وذكر فيه حديث المقداد رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين ضربتين فقطع يدي، فلما هويت إليه لأضربه قال: لا إله إلا الله، أأقتله؟ أم أدعه؟ قال:"بل دعه" [5]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: (وقد علم بالاضطرار من دين الرسول -صلى الله عليه وسلم - واتفقت عليه الأمة، أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا والعدو وليًا، والمباح دمه وماله: معصوم الدم والمال ... ) [6] ويقول الإمام ابن الصلاح -رحمه الله- ( ... وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين ... ) [7] وقال الإمام ابن رجب الحنبلي - رحمه الله: (ومن المعلوم بالضرورة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلمًا) [8] ويقول - أيضًا-: (من أقر صار مسلمًا حكمًا) [9]

(1) نيل الأوطار 6/ 234.

(2) انظر مجموع الفتاوى 1/ 372، 4/ 360.

(3) انظر بتوسع، التكفير والمكفرات، 2/ 485 - 491.

(4) الإيمان لبن منده 1/ 198.

(5) رواه البخاري المغازي (الفتح) 7/ 321، والديات باب قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدا .. } 12/ 187،ومسلم في القسامة باب المجازاة بالدماء في الآخرة رقم 1678.

(6) نقلًا عن فتح المجيد 89.

(7) مسلم بشرح النووي 1/ 148.

(8) جامع العلوم والحكم 72.

(9) نفسه 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت