فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 348

ويقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله- ( ... وفي حديث ابن عباس من الفوائد [حديث بعث معاذ إلى اليمن] . الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين) [1] .

وقال أيضًا: ( ... أما بالنظر إلى ما عندنا - [أي في الدنيا] - فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم [2] .

هذه النصوص عن الأئمة واضحة في تقرير هذا الأصل، وأهمية تقرير هذا الأصل هنا تكمن في أن بعض الباحثين يخلطون بين الحكم الدنيوي والأخروي، فيظنون أنه يلزم من الحكم بإسلام الشخص، الحكم له بالنجاة في الآخرة، أو يظنون أن الشروط التي ذكرها العلماء لكلمة التوحيد من العلم والاخلاص واليقين .. الخ، لا يحكم بإسلام الشخص إلا بعد فهم هذه الشروط، ولكن الحقيقة أن مجرد النطق بكلمة التوحيد لا ينجي العبد عند الله إلا بالإتيان بشروطها.

أما بالنسبة للحكم الدنيوي فمجرد النطق كاف في الحكم بإسلام المرء حتى يتبين لنا ما يناقض ذلك- بعد قيام الحجة وبذلك ندرك الخطأ الذي وقع فيه من يرى أن من يقعون في شئ من الشرك من نذر وذبح لغير الله وطواف على القبور ممن شهد بشهادة التوحيد كفار أصليون باعتبارهم لم يفهموا التوحيد [3]

المسألة الثانية: خطأ التقسيم إلى أصول لا يعذر بالجهل بها، وفروع يعذر الجاهل بها:

كثيرًا ما يقال: هذه من مسائل العقيدة التي لا يعذر من يجهلها، أو من مسائل الأصول، أو هذه مسألة قطعية لا عذر فيها ونحو ذلك، وهذا التعبير غير دقيق وغير منضبط فمن قال: هذه من مسائل الأصول التي لا يعذر جاهلها، يقال له: ماذا تقصد بمسائل الأصول؟ فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل العقيدة، ومسائل الفروع هي مسائل العمل، يقال له: هناك من مسائل العمل كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم الفواحش .. الخ، ما هو أعظم من كثير من مسائل الاعتقاد وأقوى وأوضح دليلًا ولا يعذر من يجهلها في دار الإسلام وهناك من مسائل الاعتقاد، اختلف السلف فيها ولم يورث اختلافهم تضليلًا ولا تبديعًا ولا تفسيقًا، كمسألة: هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء والعذاب في القبر على الروح وإلا على الروح والبدن، وهل إبليس من الجن أو الملائكة ... الخ

وإن قال: الأصول هي المسائل القطعية (أو ما هو معلوم من الدين بالضرورة) والفروع ليست قطعية، فيقال له: كون المسألة قطعية أو ظنية أمر نسبي إضافي، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فكون الشيء معلومًا من الدين

(1) فتح الباري 13/ 367.

(2) فتح الباري 1/ 61، وانظر إشارة إلى هذه المسألة في مباحث سابقة حول قول اللسان ص 43، ومبحث الحكم بالظاهر ص 204 - 207 وراجع مناقشة لهذه المسألة في كتاب التوقف والتبين، للشيخ محمد سرور زين العابدين ص 149 - 154.

(3) انظر على سبيل المثال ما ذكره الإمام الصنعاني في"تطهير الاعتقاد"ص 131 (ضمن مجموعة عقيدة الموحدين) وما ذكره العلامة إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن في رسالة"حكم تكفير المعين"ص 9،17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت