النوع يطرد في أصول الدين، و أصول الفقه وفي بعض أنواع من الفروع، أما أصول الدين فلأن صاحب الشرع لما شدد في جميع الاعتقادات تشديدًا عظيما، بحيث إن الإنسان لو بذل جهده واستفرغ وسعه في رفع الجهل عنه في صفة من صفات الله، أو في شيء يجب اعتقاده من أصول الديانات، ولم يرتفع ذلك الجهل، لكان بترك ذلك الاعتقاد آثمًا كافرًا يخلد في النيران على المشهور من المذاهب) [1] .
ب- ومن النصوص المنقولة عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (فكل من غلا في حي، أو في رجل صالح، كمثل علي رضي الله عنه أو عدي ونحوه، أو فيمن يعتقد فيه الصلاح كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر، أو يونس الفتي ونحوهم، وجعل فيه نوعًا من الآلهة مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده أو يقول إذا ذبح شاه: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب و إلا قتل) [2] .
وردوا على من يحكي عن شيخ الإسلام عذره بالجهل في أصول الدين إذا لم تقم عليه الحجة، ردوا على ذلك بقول شهير عن شيخ الإسلام قال فيه: ( ... وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطيء ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى يعلمون: أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم- بعث بها، وكفر مخالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، وإيجابه لها وتعظيم شأنها، ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك ... ) [3] .
ج- ونقلوا عن الإمام ابن القيم رحمه الله، قوله: (و الإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، و الإيمان بالله وبرسوله، واتباعه فيما جاء به، فلما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، و إن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عنادًا أو جهلًا وتقليدًا لأهل العناد) [4] .
د- ما نقل عن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - حيث ( .. قال: وأفادك أيضًا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل ... ) [5] وقوله - رحمه الله: ( ... إذا عرفت هذا عرفت لا إله إلا الله، وعرفت أن من دعا نبيًا أو ملكًا أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول - صلى الله عليه وسلم- [6] والقول المنقول عنه سابقًا في تعليقه على حديث عمران بن الحصين، حيث قال:( ... فيه شاهد لكلام الصحابة أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر .. الثالثة أنه لم يعذر بالجهالة) [7] .
ومما نقل عنه أيضًا قوله: ( ... فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف، أما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن: فمن بلغه فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [8] [9] .
ه-- وقال الصنعاني- رحمه الله - في تأييد هذا الرأي: ( ... فإن قلت: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة، والخلعاء مشركين، كالذين يعتقدون في الأصنام؟ قلت: نعم، قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا في الاعتقاد والانقياد والاستعباد فلا فرق بينهم .. فإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه، قلت: قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة: أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، و إن لم يقصد معناها، وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارًا كفرًا أصليا ... ) [10] .
و- واشتهر عن الإمام عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين [11] قوله بعدم العذر بالجهل في مسائل الشرك، وألف في ذلك رسالة معروفة ومما قال فيها: (وقولك [12] إن الشيخ تقي الدين وابن القيم يقولان: إن من فعل هذه الأشياء لا يطلق
(1) الفروق للقرافي 2/ 149، 163، وانظر الجواب المفيد 27،28.
(2) مجموع الفتاوى 3/ 395، علق صاحب الجواب المفيد بقوله: (فتأمل كلام الإمام رحمه الله وتأمل عظم الافتراء عليه) ص 66.
(3) مجموع الفتاوى 4/ 54.
(4) طريق الهجرتين 382، وانظر الجواب المفيد 30.
(5) كشف الشبهات 11 وانظر ضوابط التكفير 311.
(6) مجموعة مؤلفات الشيخ، العقيدة والآداب الإسلامية 366.
(7) فتح المجيد 127.
(8) سورة الفرقان آية: 44.
(9) مجموعة الشيخ فتاوى ومسائل 12،13.
(10) تطهير الاعتقاد للإمام الصنعاني ص 22.
(11) (*) عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين: ولد في روضة سدير 1194، تولى القضاء في كثير من المناطق له عدة مؤلفات في تقرير العقيدة، والدفاع عن دعوة الإمام المجدد لقب بمفتي الديار النجدية، توفي في شقراء سنة 1282 ه- انظر علماء نجد 234.
(12) أي إبراهيم بن عجلان انظر ص 15 رسالة أبي بطين.