عليه أنه كافر حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية من إمام أو نائبه فيصر و أنه يقال هذا الفعل كفر وربما عذر فاعله لاجتهاد أو تقليد أو غير ذلك: فهذه الجملة التي حكيت عنهما لا أصل لها في كلامهما .. ) [1] إلى أن يقول: (وقولك أن الشيخ يقول: إن من فعل شيئًا من هذه الأمور الشركية، لا يطلق عليه أنه كافر مشرك حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله ونحوه من الكفر، و إنما قال في المقالات الخفية كما قدمنا من قوله، وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد قال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، فلم يجزم بعدم كفره، و إنما قد يقال) [2] .
وقال في رسالة"الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين" (واحتج بعض من يجادل عن المشركين بقصة الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته على أن من ارتكب الكفر جاهلًا لا يكفر، ولا يكفر إلا المعاند. والجواب عن ذلك كله أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأعظم ما أرسلوا به ودعوا إليه عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره، فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورًا لجهله فمن هو الذي لا يعذر؟ ولازم هذه الدعوى أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند ... ) [3] فهذه أهم وأوضح النقولات عن الأئمة في مسألة عدم العذر بالجهل في أصول الدين وخاصة الشرك.
ورد على هذه الأدلة من يرى أن أدلة العذر بالجهل شاملة فقالوا:
1 -بالنسبة للآية المذكورة فلا نختلف معكم حول أخذ الميثاق [4] ولا على تذكير الله - عز وجل - لهم به يوم القيامة، و إنما الخلاف بيننا حول جعل هذا الميثاق حجة مستقلة على من يقع في الشرك جهلًا، ولو لم تقم عليه
(1) رسالة في بيان الشرك، وعدم إعذار جاهله، وثبوت قيام الحجة عليه ص 30.
(2) نفسه.
(3) الانتصار لحزب الله الموحدين ضمن مجموعة"عقيدة الموحدين"ص 16.
(4) اختلف العلماء حول المقصود بالميثاق المذكور هنا، هل هو ما أخذ عليهم وهم في ظهور آبائهم من الإقرار بالتوحيد، كما دلت على ذلك الأحاديث، أم المقصود بالميثاق ما فطرهم الله عز وجل به من التوحيد قال ابن كثير رحمه الله: (وذهب طائفة من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-"كل مولود يولد على الفطرة"ورجح هذا القول وذكر من الأدلة ما يؤيد ترجيحه، تفسير ابن كثير 2/ 264 وقال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله كلامًا جميلًا فيه جمع بين القولين حيث قال: (ليس بين التفسيرين منافاة ولا مضادة ولا معارضة، فإن هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنة، الأول: الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حيث أخرجهم من ظهر أبيهم آدم عليه السلام وأشهدهم على أنفسهم"ألست بربكم قالوا: بلى"الآيات، وهو الذي قاله جمهور المفسرين رحمهم الله في هذه الآيات وهو نص الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما. الميثاق الثاني: ميثاق الفطرة وهو أنه تبارك وتعالى فطرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} الآية وهو الثابت في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار و الأسود بن سريع رضي الله عنهم وغيرها من الأحاديث في الصحيحين وغيرها. الميثاق الثالث: هو ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب تجديدًا للميثاق الأول وتذكيرًا به {رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيما} .. الخ معارج القبول 1/ 48.
ومما يجدر ذكره هنا أن ترجيح أيا من القولين لا يلزم منه اعتبار الميثاق حجة مستقلة دون إرسال الرسل، وليس في كلام المفسرين ما يدل صراحة على هذا، و إنما كلام بعضهم عام يحتمل هذا وغيره، وكلام الآخرين صريح في أنه لابد من بلوغ الحجة.