الحجة بإرسال الرسل، لأننا نقول: إنه يلزم من هذا القول (أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية كخلق السموات والأرض وما فيهما من غرائب صنع الله، الدالة على أنه الرب المعبود وحده، وما ركز فيهم من الفطرة التي فطرهم عليها، تقوم عليهم به الحجة، ولو لم يأتهم نذير، والآيات القرآنية مصرحة بكثرة، بأن الله تعالى لا يعذب أحدًا حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة، فمن ذلك قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [1] ، فإنه قال فيها: حتى نبعث رسولًا ولم يقل حتى نخلق عقولًا، وننصب أدلة، ونركز فطرة. ومن ذلك قوله تعالى: {رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [2] ، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس، وينقطع به عذرهم: هو إنذار الرسل لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة) [3] .
أما ما نقلوه عن الأئمة فهو قسمان، قسم عام محتمل لهذا المعنى وغيره فلا يؤخذ منه هذا الاستدلال لعدم وضوح مقصود الأئمة فيه وذلك مثل ما نقلوه عن القاضي عياض وعن الإمام الطبري رحمهم الله، والقسم الآخر ما نقلوه عن الإمام البغوي و الإمام ابن القيم وابن كثير، حيث اختاروا من كلامهم ما يؤيد رأيهم، وأغفلوا ما يعارضه، وهذا لا يليق بالباحث المنصف، لأنهم في هذه الحالة ينسبون لهؤلاء الأئمة من الأقوال ما لم يقولوها، بل قالوا عكسها.
فمثلا نقلوا قول الإمام البغوي - كما سبق - وحذفوا أول كلامه حيث قال رحمه الله: ( ... فإن قيل: كيف يلزم الحجة واحدًا لا يذكر الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله تعالى الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معاندًا ناقضًا للعهد ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر صاحب المعجزة .. إلى أن يقول: فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد ... ) [4] .
فهل يفهم من كلام الإمام البغوي أنه يضع الميثاق السابق حجة مستقلة؟
ومثل ذلك ما نقله صاحب كتاب"الجواب المفيد"عن ابن القيم حيث أوهم ببتر كلامه أنه- أي ابن القيم - يؤيد رأيهم، ولكن بقراءة النص دون تجزئة يتبين أن قوله يخالف ما يدعون. وللنقل كلامه هنا ولنتأمله حيث قال- رحمه الله: ( ... ولما كانت هذه آية الأعراف في سورة مكية ذكر فيها الميثاق والإشهاد العام لجميع المكلفين ممن أقر بربوبيته ووحدانيته، وبطلان الشرك وهو ميثاق وإشهاد تقوم به عليهم الحجة وينقطع به العذر وتحل به العقوبة،
(1) الإسراء، آية: 15.
(2) النساء، آية: 165.
(3) أضواء البيان للشنقيطي 2/ 300 - 302، وانظر بقية كلامه رحمه الله.
(4) معارج القبول 1/ 46، وانظر الجواب المفيد ص 19.