فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 348

ويستحق بمخالفته الإهلاك [1] ، فلابد أن يكونوا ذاكرين له عارفين به، وذلك فطرهم عليه من الإقرار بربوبيته و أنه ربهم وفاطرهم، وأنهم مخلوقون مربوبون، ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم بما في فطرهم وعقولهم ويعرفونهم حقه عليهم وأمره ونهيه ووعده ووعيده ونظم الآية يدل على هذا من وجوه متعددة (ثم ذكره عشرة أوجه) ومنها، الخامس، أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، والحجة إنما قامت عليهم بالرسل، والفطرة التي فطروا عليها كما قال تعالى: {رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [2] .

الثامن: قوله تعالى: {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار.

التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليهم بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه كقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون} [3] أي فكيف يصرفون عن التوحيد بعد هذا الإقرار منهم، أن الله ربهم وخالقهم، وهذا كثير في القرآن، فهذه هي الحجة التي أشهدهم على أنفسهم بمضمونها، وذكرتهم بها رسله، بقوله تعالى: {أفي الله شك فاطر السموات و الأرض} فالله تعالى إنما ذكرهم على ألسنة رسله بهذا الإقرار والمعرفة، ولم يذكرهم قط بإقرار سابق على إيجادهم، و لا أقام به عليهم حجة ... ) [4] ، فالإمام رحمه الله يقرر ويؤكد - كما رأينا - أن الحجة لا تقوم إلا بإرسال الرسل، وهذا واضح لأصحاب الفهوم السليمة.

أما ما نقلوه عن رشيد رضا فالرد عليه من وجهين:

الوجه الأول: أنه يقول: (والآيات تدل على أن من لم تبلغه بعثة رسول لا يعذر يوم القيامة بالشرك بالله تعالى، ولا بفعل الفواحش والمنكرات التي تنفر منها الفطرة السليمة، وتدرك ضررها وفسادها العقول المستقلة .. الخ) .

فهو لا يقصر عدم العذر على فعل الشرك، بل وحتى الفواحش والمنكرات التي تنفر منها الفطر السليمة، ولو لم يأتهم نذير، وصاحب"الجواب المفيد" [5] يرى العذر في جهل مثل هذه الأمور لمن لم تقم عليه الحجة، فكيف يستدل

(1) توقف صاحب الجواب المفيد عند هذه الفقرة، وترك ما بعدها، حيث لم يكمل الجملة!!؟

(2) سورة النساء، آية: 165.

(3) سورة الزخرف، آية: 87.

(4) الروح لابن القيم 167، 168، وراجع نفس الكلام في شرح الطحاوية 270 - 271، وانظر ما يؤيد هذا الفهم في مدارج السالكين 1/ 239، وما حصل في نقلهم من ابن القيم حصل مثله - تقريبًا - في نقلهم عن الإمام ابن كثير حيث بتروا كلامه، واختاروا منه ما يناسبهم وما يخالف مقصود الإمام، انظر الجواب المفيد 19،20 وانظر العذر بالجهل لشريف هزاع ص 103، 104.

(5) الجواب المفيد 53 - 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت