بهذا القول بعمومه؟ إذًا فقول رشيد رضا هنا مخالف لأجماع أهل السنة، فلم ينقل عن واحد منهم مثل هذا القول، لذلك لا يعتد بقول هذا لشذوذ رأيه.
الوجه الثاني: أن هذا القول فيه تأثر بمذهب المعتزلة في التحسين والتقبيح العقليين، حيث يرتبون الثواب والعقاب على ذلك، أما أهل السنة فإنهم و إن قالوا بأن العقل يدرك الحسن والقبح بنفسه إلا أنهم لا يرتبون الثواب والعقاب إلا بما ورد بالشرع. [1]
وخلاصة مما سبق يقال: ليس في هذه الآية ما يدل على أن الميثاق المذكورة حجة مستقلة ولو لم يأتهم نذير، وليس في كلام الأئمة المعتبرين ما يدل صراحة على ذلك والله أعلم.
2 -أما الاستدلال الآخر، والخاص بحكم أهل الفترة في الدنيا و الآخرة.
فيقال عنه، إن هذا الاستدلال لا علاقة له بمبحثنا هذا، حيث إن محل النزاع بيننا، حول المسلم الذي يثبت له عقد الإسلام ووقع في شيء من الكفر العملي أو الشرك جاهلًا ذلك.
أما هذه الأحاديث فهي في حكم من مات قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم- وفي حكم من لم تبلغهم الدعوة أصلًا، أي في أناس كفار كفرًا أصليا، فلا مجال لقياسها على مسألتنا تلك. [2]
أضف إلى ذلك أن الأئمة وإن حكموا بكفر من لم تبلغهم الدعوة فقد اختلفوا اختلافًا واضحًا حول حكمهم في الآخرة، فلا نسلم للكاتب ما ذكر. [3]
3 -أما حديث عمران بن الحصين - رضي الله عنه - وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا في يده حلقة من صفر .. الحديث.
فيجاب عنه بالتالي:
أ - الحديث ضعيف بجملته - كما بينا سابقًا - فلا يحتج به.
ب-كذلك الشاهد من الحديث على مبحثنا هنا هو قوله:"فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا"وهذه اللفظة لم ترد إلا في رواية الإمام أحمد - رحمه الله - وقد علمت ضعف الحديث بشواهده، فكيف بدون الشواهد؟
ج- وعلى فرض صحة الحديث، يقال: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم- لم يكفره ابتداءًا، بل أمره بنزع الحلقة لأن ذلك من أعمال الشرك، وقال له:"فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا"أي إن عملت هذا العمل بعد ذلك أي بعد إقامة الحجة عليه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ما أفلحت أبدًا، إذًا الرسول - صلى الله عليه وسلم- عذره بالجهالة هذا يناقض استدلالكم. [4]
د- أما ما نقل عن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله حيث قال: (فيه شاهد لكلام الصحابة: إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، و أنه لم يعذر بالجهالة) ، فهذا القول نترك مناقشته إلى مبحث مستقل حول مذهب الإمام في هذه المسألة.
4 -ومن استدلالاتهم حديث"دخل الجنة رجل في ذباب".. الحديث.
فقد ذكرنا سابقًا أن هذا الحديث موقوف على سلمان رضي الله عنه ولا يصح مرفوعًا هذا جانب، وجانب آخر هذا الحديث ليس في مسألة العذر بالجهل، و إنما يدخل في العذر بالإكراه، ولذلك قتلوا من أبى أن يقرب، ومن قرب دخل النار لأن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة و الله أعلم.
قال الشنقيطي رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذًا أبدًا} [5] ، أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة، لأن قوله عن أصحاب الكهف: {إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم} ظاهر في إكراههم وعدم طواعيتهم ومع هذا قال عنهم {ولن تفلحوا إذًا أبدًا} فدل على أن الإكراه ليس بعذر، ويشهد لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه مع الإكراه بالخوف من القتل لأن صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذبابًا قتلوه.
ويشهد له أيضًا دليل الخطاب أي مفهوم المخالفة في قوله - صلى الله عليه وسلم-:"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" [6] فإنه يفهم من قوله"تجاوز لي عن أمتي"أن غير أمته من الأمم لم يتجاوز لهم عن ذلك، وهذا الحديث و إن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديمًا وحديثًا بالقبول، وله شواهد ثابتة في القرآن العظيم والسنة الصحيحة، أما هذه الأمة فقد صرح الله تعالى بعذرهم بالإكراه في قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [7] .
(1) راجع حول مسألة التحسين والتقبيح ومذاهب الفرق فيها، رسالة الشيخ عبد الرحمن المحمود"القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه"195 - 202، وكتاب"الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى د. محمد ربيع المدخلي 77 - 105."
(2) انظر، العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير لأحمد فريد ص 33.
(3) سيأتي مبحث"أهل الفترة"إن شاء الله.
(4) انظر العذر بالجهل لأحمد فريد 36، والعذر بالجهل لشريف هزاع 114، 115.
(5) سورة الكهف، آية: 20.
(6) رواه ابن ماجه كتاب الطلاق"باب طلاق المكره والناسي"رقم 2045، والحاكم 2/ 198، والبيهقي 7/ 356، 10/ 61، والدارقطني 497، والطبراني في الكبير 11/ 133، والصغير (الروض الداني 2/ 52، وحسنه الإمام النووي كما في جامع العلوم والحكم 350، وصححه الشيخ الألباني في حاشيته على المشكاة برقم 6264، وفي إرواء الغليل رقم 82، و أحمد شاكر في تحقيقه الأحكام لابن حزم 5/ 149.
(7) أضواء البيان 4/ 72 - 73.