فهرس الكتاب
أما ما ذكره من أقوال العلماء حول عدم العذر، فينبغي أن نعلم - قبل مناقشتها - أن الحجة تكون بالكتاب والسنة والإجماع، وليس المرجع في هذه المسائل خاصة إلى قول عالم بعينه مهما علا قدره.
و إليك مناقشة ما نسب إلى بعض العلماء في هذه المسألة:
1 -ما نقل عن الإمام القرافي من قوله: ( ... النوع الثاني(من أنواع الجهل) : جهل لم يتسامح صاحب الشرع عنه ... ) إلى أن قال: (أما أصول الدين فلأن صاحب الشرع لما شدد في جميع الاعتقادات تشديدًا عظيمًا، بحيث إن الإنسان لو بذل جهده واستفرغ وسعه في رفع الجهل في صفة من صفات الله ... ولم يرتفع ذلك الجهل، لكان بذلك الاعتقاد آثمًا كافرًا) .
يجاب عن ذلك بأمور:
الأول: مر معنا من حديث الرجل من بني إسرائيل عذر من جهل صفة من صفات الله عز وجل ونحوها.
الثاني: بينا من قبل خطأ هذا التقسيم إلى أصول، وفروع، و الإمام هنا يقصد بالأصول - كما هو واضح - جميع الاعتقادات وبينا أن هناك أصول عملية كثيرة أهم من بعض مسائل العقائد، ولا يجوز جهلها في دار الإسلام.
الثالث: يظهر أن الإمام يتكلم عن حكم من اجتهد فأخطأ، وسيأتي إن شاء الله بحث هذه المسألة.
الرابع: نقل عن الإمام ما يخالف ذلك في نفس كتابه المذكور حيث قال: (إن التكليف بالتوحيد وعدم العذر بالجهل فيه من باب تكليف ما لا يطاق) [1] وغير التوحيد من مسائل أصول الدين من باب أولى أن يعذر بها.
2 -مذهب شيخ الإسلام في هذه المسألة:
قبل مناقشة النصوص المذكورة عن شيخ الإسلام، نقدم مقدمة حول مذهبه في هذه المسألة فنقول: مر معنا تعليق شيخ الإسلام على حديث الرجل من بني إسرائيل الذي قال لأهله: لئن أنا مت فخذوني ثم ذروني ثم ارموني في البحر .. الحديث، حيث قال - رحمه الله - (فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى أو إنكار معاد الأبدان و إن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن مخطئا، فغفر الله له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكا في المعاد، وذلك كفر - إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره ... ) [2] .
(1) الفروق للقرافي 2/ 150.
(2) انظر ص224.