فهرس الكتاب
وقال أيضًا: ( ... كما قال السلف: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة، والزكاة، واستحل الخمر، والزنا وتأول. فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول المخطيء في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته - كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر - ففي غير ذلك أولى وأحرى .. ) [1] ، وقال: (من شك في صفة من صفات الله تعالى، ومثله لا يجهلها فمرتد، و إن كان مثله يجهلها فليس بمرتد) [2] .
أما من يقع في الشرك جهلًا فقد قال في حكمه - بعدما تكلم عمن اجتهد فأخطأ قال:( ... بخلاف ما لم يشرع جنسه مثل الشرك، فإن هذا لا ثواب فيه، و إن كان الله لا يعاقب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة، كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} [3] .
لكنه و إن كان لا يعذب فإن هذا لا يثاب ... و إذا نهاهم الرسول عنها فلم ينتهوا عوقبوا، فالعقاب عليها مشروط بتبليغ الرسول، و أما بطلانها في نفسها فلأنها غير مأمور بها ... ) [4] وقال أيضًا: ( ... والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، و إما مخطيء ضال، و أما بالمعنى الذي نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم-: فهو أيضًا مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضًا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها) [5]
فهذا النص صريح في حكم من صرف شيئا من أنواع العبادة كالاستغاثة إلى غير الله أنه لا يكفر إذا لم تقم عليه الحجة، وأصرح منه قوله - رحمه الله: (فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور و إن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم- مما يخالفه) [6] .
إذًا من كل ما سبق من النقولات يمكن أن نلخص مذهب شيخ الإسلام في هذه المسألة بما يلي:
(1) المرجع السابق 161.
(2) الاختيارات العلمية 182، وانظر الإيمان الأوسط ص80.
(3) سورة الإسراء، آية: 15.
(4) مجموع الفتاوي 20/ 31،33.
(5) نفسه 1/ 112.
(6) الرد على البكري 376، وانظر مجموع الفتاوى 1/ 372، 11/ 412، 413، 19/ 23، 219، منهاج السنة 5/ 111 - 113، وسنذكر مزيدًا من النصوص عند الكلام عن العذر بالتأويل والتقليد.