فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 348

إن من وقع في عمل من أعمال الكفر - سواء كان ذلك في العقائد أو الأحكام، وسواء كان في المسائل الظاهرة أو الخفية - بما في ذلك الوقوع في الشرك- [1] وكان جاهلًا الحكم، مثل أن يكون حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، فإنه لا يكفر حتى تقام عليه الحجة والله أعلم.

بعد كل ما سبق نأتي لمناقشة النصوص المنقولة عن شيخ الإسلام حول عدم العذر بالجهل في أصول الدين:

النص الأول: قوله (فكل من غلا في حي، أو في رجل صالح ... إلى قوله: مثل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب و إلا قتل) فيقال عن هذا النص: لا شك عندنا بكفر من فعل كل هذه الأمور، لكن هذا الكلام من باب التكفير بالعموم، وحديثنا حول تكفير المعين إذا فعل شيئا مما ذكر، وكان جاهلًا لم يبلغه الحكم، و أيضًا لا يلزم أن يقال في كل نص، من فعل كذا فقد كفر إلا أن يكون جاهلًا كما بينا من قبل.

أما النص الآخر الذي قال فيه: ( ... وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال إنه فيها مخطيء ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر منكرها ... ) .

فيجاب عنه بالتالي:

لو رجعنا إلى النص في الفتاوى، لوجدنا شيخ الإسلام يتكلم عن طائفة معينة، وهي طائفة أهل الكلام، حيث قال في أول الكلام: (و أيضًا فإنه لا يعرف من أهل الكلام أحد إلا وله في الإسلام مقاله يكفر قائلها عموم المسلمين حتى أصحابه، وفي التعميم ما يغني عن التعيين، فأي الفريقين أحق بالحشو والضلال من هؤلاء؟ وذلك يقتضي وجود الردة فيهم، كما يوجد النفاق فيهم كثيرًا، وهذا إذا كان في المقالات الخفية .. إلى أن يقول:(ثم تجد كثيرًا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور، فكانوا مرتدين، و إن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون إلى الإسلام، فقد حكى عن الجهم بن صفوان: أنه ترك الصلاة أربعين يومًا لا يرى وجوبها ... وأبلغ من ذلك: أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام، وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، و إن كان قد يكون تاب منه وعاد إلى الإسلام) [2] فهو كما ترى يتكلم عن أهل الكلام، وهؤلاء - كما لا يخفى - ليسوا حديثوا عهد بإسلام، ولا نشأوا ببادية بعيدة، فليسوا ممن يعذر بالجهل في المسائل الظاهرة ومما يؤكد هذا الفهم، قول شيخ الإسلام - رحمه الله: (لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين ... مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سوى الله .. ومثل أمره بالصلوات الخمس ... ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك) ومثل هؤلاء (أي المتكلمين) لا يعذرون في جهل مثل هذه الأمور، وغيرهم ممن لم تقم

(1) لا يعذر المرء في جهل مسألة الشرك أو الأحكام الظاهرة في دار الإسلام كما سيأتي.

(2) انظر النص بطوله، مجموع الفتاوي 4/ 53 - 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت